1- مدخل
هناك شخص فاشل، وهناك دول فاشلة، وهذا مصطلح سياسي، يطلق على بعض الدول، وهناك كتاب مشهور بهذا العنوان، بل أكثر من كتاب ولا يتسع المقام للتعريف بالدول الفاشلة فهي لا تحتاج إلى شرح، والمعروف لا يعرف والفاشل لا يبرهن على فشله، فواقع حاله متحدث عنه بأفصح لسان، ولسان الحال أبلغ وأفصح من لسان المقال! وتأمل كيف يفكر عدونا، فعيزرا وايزمن يكتب كتاباً من قرابة أربعمئة صفحة يسميه: «الحرب من أجل السلام» هل وصلت رسائل القوم؟ ونحن نطرح «المبادرة من أجل السلام» أو كما قال عباس من خلف المتراس: «لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات» وذلك كما قال علي أبو نوار: «حين تلاشت العرب» في كتابه الضخم. وكما قال مصطفى الفقي في كتابه: «محنة أمة» وهو في قرابة (450) صفحة يقول في مقدمته: «هل من قبيل الصدفة أن دول العالمين العربي والإسلامي هي من أكثر دول العالم تخلفاً واضطراباً؟» ويذكر كيف لعبت الدولة العبرية دوراً في تحديد سياسات أمريكا، ويذكر منها حرب العراق، ولا نطيل.
وأقرأ بهذه المناسبة كتاب هيكل: «حديث المبادرة» طبعت الطبعة الأولى سنة 98 وأنقل لك من مقدمته: «نحن لا نستطيع أن نطلب السلام بالتخلي عن خيار الحرب. وبمقدار ما أن القانون لا بد له من سلطة تنفذه، فإن السلام لا بد له من قوة تضمنه»
وأقرأ كتاب «مئة وهم حول الشرق الأوسط» لفريد هاليداي يقول ص12: «ليس لدولة إسرائيل، باستثناء طرحها البلاغي، وليس العقلاني، أي علاقة بمملكتي سليمان وداود القديمتين. بل إن العديد من الرموز في السياسات الراهنة، هو ادعاءات حديثة..»
هذا كلام كاتب إنجليزي، يقول ما قرأت ونحن نقول، أو عربان المبادرة بالأحرى، يقولون: «لإسرائيل حق تاريخي والمبادرة أكبر برهان!! أو أكبر رفسنجاني!» ما عاد تفرق!
خلاصة القول في هذه المقدمة أو هذا المدخل: الدول الفاشلة في الحرب والعسكرية فاشلة في السياسة والاقتصاد وكل ميدان، وصدق الله الذي أنزل في القرآن: «وهو كَلّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير»! فلن تنجحوا في المبادرات لأنكم فشلة في كله!
2- مبادرة المهاويس في القواميس.
قال في القاموس المحيط للفيروزآبادي، والفيروزآبادي فارسي، عربي الهوى لم يتشبع بالتشيع الشعوبي ولم يحتقن صدره ببغض العرب والتآمر على العرب، ولا كان ممن يلطم كل سنة ليعبئ صدره وقلبه على العرب باعتبارهم قتلة الحسين وهم أي الفرس نصرة الحسين، وهم بالتالي أولى به منا، فهم أهل البيت لا نحن العرب، وآل البيت، هذا المصطلح الملتبس، نقوله مجازاة لهم، وكأن آل البيت منهم لا منا. وعجبي! ولا هو ممن يردد يا لثارات الحسين. ممن؟؟ وإذا كان قتلة الحسين قد ماتوا منذ ألف وأربعمئة وعشرين سنة على التقريب، فممن ثارات الحسين؟! المهم أن الفيروزآبادي ليس من هؤلاء اللاعنين الشتامين الشعوبيين القوميين العلمانيين بعمائم الدين.
أقول: قال الفيروزآبادي في القاموس الذي لم يلوث بلوثة الحقد على العرب والإسلام، قال: «بادره مبادرة وبِداراً، وابتدره، وبدر غيره إليه: عاجله. وبَدرَه الأمر، وبدر إليه: عجل إليه. واستبق واستبقا البَدَرى أي مبادرين. والبادرة: ما يبدر من حِدَّتك (بالحاء) في الغضب من قول أو فعل. والبادرة: شباة السيف، والبديهة.
والبدر: القمر الممتلئ (وبدر ماء كانت عنده الغزوة الشهيرة) والبدري من شهد بدراً.. إلخ ومنه انتقل إلى البيدر»
قوله: «بدر إليه: عاجله» فالمبادرة فيها معنى العجلة والعجلة فيها الندامة وقلة السلامة وقلة الأناة وعدم النضج والفجاجة السياسية...
قوله: «وبدر إليه: عجل إليه» إذا كان رب العباد إن مشيت إليه سارع بالخير إليك، فكيف نمشي إلى أحط الخلق وأكثرهم عدوانية وهم لا يتحركون نحونا خطوة ويتحركون نحو تهديد أقصانا مئة خطوة؟
أما الامتلاء فالمبادرة ممتلئة طافحة بمهانتنا وهواننا ومذلتنا وافتقارنا إلى الحنكة والحبكة والحكمة.
3- الرحلة مع المبادرة في القاموس وتاج العروس.
قال: وبادِرة الشرِّ: ما يبُدرك منه، يقال: أخشى عليك بادرته، وبدرت منه بوادر غضب، أي خطأ، وسقطات عندما احتد. قال النابغة:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدَّرا
وفلان حار النوادر حاد البوادر»
ويا للموافقات! المبادرة «وبادرة الشر»! وهي بمعنى ما يفجؤك منه، «وما يبدرك منه» وما من شك أن المبادرة مفاجأة، ولكنها غير سارة! مفاجأة أو «مفاجعة»! فجعتنا بالتنازل عن حقوقنا ومقدساتنا! وأما قوله: «أخشى عليك بادرته» فوالله إننا نخشى أنفسنا على أنفسنا وبني جلدتنا على أمتنا حاضرها ومستقبلها أخشى مما نخشى عدونا. فما يفعل العدو بالجاهل ما يفعل الجاهل بنفسه! كما قيل بمعناه في الأمثال.
وأما قول النابغة فنابغة من القول. وفعلاً إنه لا خير في حلم ولا في مبادرة سلام إذا لم تكن أمامك خيارات أخرى، بل كانت كل الطرق وكل السبل مسدودة مغلقة، ومن هنا الحكمة الخالدة للخليفة العباسي محمود عباس: لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات! إنك إن وصلت إلى هذا الحد فعدوك حمار إن أعطاك نقيراً أو فتيلاً! ولماذا يعطيك وأنت بلا حول وقد أعيتك الحيل؟ بالله أليس هذا منتهى العجز والوهن والخبل والهبل؟
وقوله «بوادر»، أي بديل عن هذا الحلم، من بوادر الغضب والشدة والقوة تحمي صفو الأمن وصفو الحقوق وصفو الأوطان والشعوب أن يكدر!
وبالفلاحي نصف الفصيح: ذل قوم لا سفيه لهم! وإذا كانت الدول تستأجر البلطجية للجم الداخل، فماذا أعدت للجم عدو كالثعبان يلتف على الأوطان يوشك أن يبتلعها؟ أم كل شطارتكم ركزتموها في البلطجة ثم جلستم عجزة أشلاء؟
ونواصل مع القاموس علها تفهم الجاموس ممن يطرحون المبادرات، قال: «والبادرة: شباة السيف» وهذا خارج السياق والاتفاق.
«والبادرة: أول ما يتفطر من النبات أي أول ما ينبت ويشق الأرض» وإذا كانت المبادرة نبتاً خبيثاً فهي كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار!
«والبوادر: الإبل إذا أخذها المخاض ففرقت نادة» أي خافت فهربت. وفعلاً تمخض الجبل أو ناقة الجمل فولت مبادرة، بئس الحمل وبئس البادرة والمبادرة والوالد والوالدة والولد.
«وناقة بدرية: بدرت أنها (بالرفع) الإبل (بالنصب) في النتاج كالبكرية في العامية. على أن المبادرة ليست كذلك! فقد سبقتها أختها!.
«والبيدر: الموضع الذي يداس فيه» هكذا بالنص، وتتمته، يداس فيه على كرامة الوطن والمواطن والشعب العربي وقضاياه. فهذه المبادرة «بيدر» جمع فيه عجز العرب للدياس، وجمع فيه خورهم ووهنهم وضعفهم وقصر نظرهم، وقيل لشر الخلق، ها قد اجتمعوا في البيدر، فدونكموهم أيها الدون..!
«والبدرية محلة ببغداد» بغداد التي كانت بغداد، فحولها الأوغاد الأولاد إلى بلد طارد لخيرة أبنائها، فتفرق أهلها في البلاد من أمريكا إلى أوربا إلى بلاد العربان وتركوا أرض الأجداد.
ومن عجائب الموافقات أن أول كلمة بعد البدر والبيدر هي «بَدْقَر» يقال: «بدقر القوم» «وابدقر القوم» إذا تفرقوا. والعجب أن بعدها مباشرة: بذر: نثر الحب، وبذر الشيء: فرّقه. وتفرقوا شذر بذر. وبذر الله الخلق فرقهم»أ.هـ.
فتأمل عجائب موافقات اللسان العربي والمعجم والقاموس وتاج العروس!
وإلى اللقاء في حلقة الختام من هذه السلسلة من لغة وسياسة عن مبادرة السلام، وفيها نجيب عن سؤال هام: هل المبادرة عربية من آباء كرام؟ وهل هي مبادرة سلام أم استسلام؟ والسلام ختام.

