الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 02:18 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

مبادرة السلام العربية 2

حجم الخط
د. أحمد نوفل

1- مدخل: تزامن واستغلال.

لم نفهم نفسية بني إسرائيل بعد، هذا على حسن الظن، وأنّ المسألة لا تعدو الجهل إلى التبعية، والتضحية بالقضية. فنحن نزداد اندلاقاً على بني إسرائيل وهم يزدادون ترفعاً وتمنعاً ودلالاً، ويتشددون في الشروط أكثر ويطلبون مزيداً من التنازل. وفي الوقت الذي لم نفهم فيه نفسيتهم، فهمونا هم وهضمونا جيداً، فصاروا كالشاري النتن المستغل يفاصل ويجادل ويطلب التخفيض، وكلما وافقنا على شيء عادوا كجهنم يطلبون المزيد، والعجيب أنّ الثمن الذي سيدفعونه هو من جيوبنا.

 

أقول لكم: لقد تعوّدوا علينا. ألم ندفع لهم مراراً ثمن حروبهم علينا؟ يريدون أن يأخذوا قمم الجبال في الضفة الغربية، وأحواض المياه، وأرض القدس-الكبرى، ومفاصل المواصلات، فيخنقونا بمستوطناتهم ويعطونا في المقابل ثمناً من أرضنا نحن في مناطق صحراوية مهجورة في صحراء النقب، فإذا وافقنا، تعاملوا معنا كما في الرواية التاريخية في مفاوضات أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، ولا يهمّنا صحتها إنّما يهمّنا عبرتها وأمثولتها. نحن نوافق وهم يتشددون ونحن نخفض سقف حقوقنا وهم يرفعون سقف باطلهم.

 

نعرض عليهم المبادرة ويمنعوننا من دخول أقصانا ويمنعون أذاننا أن يرتفع فوق مآذن أقصانا. كيف تكون المعادلات السياسية الخائبة؟ قبلنا السلام أول مرة فزادوا الاستيطان، ووقّعنا كامب ديفيد فاحتلّوا بيروت، فالمبادرة باختصار أسوأ مبادرة في أسوأ توقيت ومن العدو أسوأ استغلال، فاجتمع السوء من كل الجهات، وتلاحقت الويلات، وتعمّقت الخيبات، وتجددت النكبات، وكثرت النكسات، وزادت التنازلات. والله يستر ممّا هو آت.

 

2- بَدَرَ كما في معجم مقاييس اللغة لابن فارس.

قال: «باب الباء والدال وما بعدهما في الثلاثي: بدر: الباء والدال والراء، أصلان: أحدهما: كمال الشيء، وامتلاؤه، والآخر: الإسراع إلى الشيء.

 

أمّا الأول فهو قولهم: لكل شيء تم بدر، وسمي البدر بدراً لتمامه وامتلائه، وقيل لعشرة آلاف درهم بَدْرة، لأنها تمام العدد ومنتهاه، وعين بدرة: أيّ ممتلئة. «وبدر» مكان معروف. وهذا المعنى عند ابن فارس ومعجمه القيم معجم المقاييس لا علاقة له بالمبادرة العربية. فهذا المعنى يتحدث عن الكمال والتمام، والمبادرة لا علاقة لها بالكمال ولا التمام، بل هي نقص ونقائص كلها ونقض لعرى قضيتنا، ففيها انتقاص الحقوق، وتنازل عن الحقوق، ومبادلة ما سرق منّا بما سرق منّا، والفرق أنّا نعطي الأنفس ويعطوننا، هذا على افتراض أنّهم سيعطوننا، وهم لا ولن يعطونا. والأيام بيننا. أقول يعطوننا الأقل والأنقص ويأخذ منّا الأجل والأقدس.

وننتقل الآن إلى المعنى الثاني من معاني الجذر بدر: قال ابن فارس: «والأصل الآخر: قولهم: بدرت إلى الشيء وبادرت. وإنّما سمي الخطَاء بادرة لأنها تبدو من الإنسان عند حِدّة وغضب، يقال: كانت منه بوادر، أيّ سقطات. ويقال: بدرت دمعته وبادرت، إذا سبقت، فهي بادرة، والجمع بوادر. قال كثيّر، هو كثير عزة كما لا يخفى! :إذا قيل هذي دار عزة قادني   إليها الهوى واستعجلتني البوادر

 

وهذا المعنى من معاني بدر هو المناسب للمقام والحال.

فقومنا تعجّلوا، ومن عجلتهم تعثّروا، وسقطوا سقطة مدوية، وإن كان فيهم بقية، لتسيلن منهم العبرات والبوادر كما قال كثير على سقطتهم. وأمّا المعنى فهو «ما بدر عن حدة وغضب».

 

وعند قومنا مات الغضب، فهي بوادر ومبادرات نشأت لا عن حدة وغضب، وكم نتمنى أن نراها تغضب العرب! فهي مبادرات عن عجز وضعف وتقاعس وهوان.

 

وقد تتبعت الكلمات عند ابن فارس قبل الجذر «بدر»، فوجدت قبل الجذر «بدر» ورد: بَخَر ومنه بخْر وبخار، فهذا فأل سيء أنّ حقنا سيتبخر. ولو كان ابن الرومي حياً لطالب بإلغاء المبادرة من مجرد سياق المعجم قبلها، فهو أحد ملوك التشاؤم في العالم!

والكلمة التالية لتبخُّر الحق حقنا في فلسطين بهذه المبادرة الهجين، وهذا المعجم بين أيديكم فراجعوه، فكلمة «بخس». والبخس النقص. قال تعالى: «وشروه بثمن بخس»، أيّ باعوه، وقومنا باعوا حقهم بثمن بخس، لا بل بلا ثمن. وقال: ومنه: «بخس تبخيساً» وذلك النقصان والذهاب. صدقت يا عمنا ابن فارس. فالمفاوض، آسف، من نقترح عليه الصفقة أعني من طرحنا عليهم المبادرة ولهم، وهو متمنع متمتع بكل المزايا ونحن نبتلى بكل الرزايا وهم سيد من بخَس وبخّس.

 

ثم نتابع بالتتالي مع الجذر «بخَص»، يقال بخصت الرجل: إذا ضربت منه لحمة العين. والأقصى والقدس عيننا وفلسطين قلبنا، وهذه المبادرة «بَخَصَتْنا» ووكستنا وأهانتنا وحقرتنا وطمرتنا ومرمطتنا.

وبعدها كلمة «بخع» وهو القتل وما داناه من إذلال وقهر» إي والله يا ابن فارس إنّه القتل والقهر والإذلال!

قال العنبي: بخعت الذبيحة إذا قطعت عظم رقبتها.

 

ثم الجذر «بخق» يقال: «بخقت عينه» إذا ضربتها حتى تعُورها. ثم الجذر «بخل» ورجل بخيل وباخل وبخال.

وملوك البخل في العالم هم من نكرم أمامهم ونبدي الأريحية الحاتمية العربية والندى والإيثار والتكارم والكرم الأصيل مع القهوة العربية «وزيدوها هيل» ولمن؟ لأبخل الناس. والأمثال هم مضربها في البخل، وفي كل بلد أمثلة على بخل اليهود في إيطاليا وفرنسا، وإلخ.

 

فيقال: إذا رأيت من ينشر الشاي لتنشيفه بعد استعماله ليعيد استعماله فاعلم أنّه بيت يهودي، وإذا رأيت أوراق التواليت منشورة لتجفيفها وإعادة استعمالها فهو بيت يهودي، وإذا رأيت رجلاً عنده أكثر من زوج نعال فاعلم أنّه غير يهودي. والأمثلة كثيرة!

 

وأكتب وأنا أعلم أنّ القانون الدولي يؤاخذ على هذا وقد جرّبته حرماناً من السفر والفيزا لأكثر دول أمريكا وكندا وأوروبا، وربما تلحقها آسيا ودولنا العربية، ومن يعش رجباً ير عجباً.

 

ثم الجذر «بخو» والبخو الرطب الرديء. صدقت يا ابن فارس، وصدق اللسان العربي والمعجم الحارس لمفرداتنا، فالمعروض علينا الدقْل والبخْو والحشَف، وكل ذلك مع التطفيف، كما قال المثل العربي: «أحشَفاً وسوءَ كيلة؟» يعني هل تجمعون علينا رداءة الرطب وتطفيف الكيل والميزان، وليس هذا فقط ففي حالتنا هناك ثالثة الأثافي: حشف، وسوء كيلة، وغلاء الأسعار. فهل يعقد هذه الصفقة إلاّ(...)؟

 

وآخر كلمة قبل بدر والمبادرة هي «بخت» وفعلاً يا بختك يا نتن! وجدت من تصفعه على خده الأيمن فأدار الأيسر وبعد أن صفعته على الأيسر، أدار قفاه «لشلوت»!

 

قال ابن فارس: قال ابن دريد: البخت من الجمال عربية. وبهذه المناسبة نضرب هذه القصة المثل نضربها مثلاً: حَضَرتْ «جمّالاً» الوفاة، فجمع الجمال وطلب منها المسامحة، فقال ناطقها الرسمي: سامحناك على سوء الغذاء وكثرة الأعباء، ولكنّا لا نسامحك أنّك كنت تربط العشرين منّا بذيل حمار.

 

وبعد كل هذه المعاني ما زدت فيها ولا نقصت جاءت المبادرة، فاعتبروا يا أولي الأبصار في موافقات اللغة، ومقدمات الأشياء ونتائجها، والقوادم والخوافي، في المبادرات العربية!

 

ولنا مع المبادرة حلقة ثالثة بانتظار المبادرة العربية الثالثة، وما هي على العرب بعزيز ولا بعيد، فانتظروا إنّا منتظرون!