الخميس 01 يناير 2026 الساعة 12:45 ص

مقالات وآراء

في الذكرى العشرين حماس منهج أصيل، وسبيل واضح

حجم الخط

{ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء،  تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا والآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}سورة إبراهيم.

 

حماس.. اسم لامع، وفعل بارع..

حماس.. نبض قلوب المؤمنين، ومحط أنظار الآملين، وقبلة المجاهدين..

من أين أبدأ يا حماس، من تضحياتك الجسام، أم من قادتك العظام، أم من أسراك الأبطال، أم من الصمود الأسطوري منقطع النظير، أم من الفقه السياسي البليغ، أم من توازن المواقف...؟!

حركتنا الربانية.. عطاء بلا حدود، واستبسال غير محدود، وخطوات واثقة رغم اهتزازات الزمن، ورغم وقوفها على رمال متحركة من القلاقل والفتن والمحن..

ليس دفاعاً عنها، فالدفاع لرد التهمة! بل عرفاناً بالجميل العظيم للعظام، أهل التضحيات، والمسابقة إلى الجنان، أبطال العمليات التفجيرية الاستشهادية، ومقتحمي مستوطنات العدو، أرباب أيام الغضب، والسهم الثاقب، وثقب في القلب، وأنفاق الجحيم، والوهم المتبدد، ووفاء الأحرار، وصيد الأفاعي... أحفاد سعد والمثنى، وتلاميذ عزام وعقل و عياش وأبو الهنود، وأبناء أحمد ياسين وشحادة و الرنتيسي و المقادمة والجمالين..

انطلقت حماس كجذع أصيل من نبتة تمتد جذورها في عمق الأرض تستمد عصارتها من الأوائل الثوابت، فكانت إطلالة العزة والكرامة، بعد فترة من حكم براثن العفن والمبادئ الأرضية المقيتة، حيث كانت القضية سائحة بين الشرق والغرب، تتقاذفها أهواء الذين لا يفقهون، فجاءت الحركة من رحم معاناة الناس تعيش معهم، تأكل مما يأكلون منه وتشرب مما يشربون، لم تأت على ظهر دبابة، ولا وفق اتفاقيات 'الحدائق الخلفية'، بل انطلقت من المساجد لتعيد للأمة روح العنفوان الإسلامي الأصيل، ولترفع شعارات الصدق، وتحشد جماهير الإيمان، وتجاهد في سبيل 'الفكرة الإسلامية الحقّة السليمة' جهاداً مستبسلاً، ولتواجه العقبات الكؤود، ليكون الصمود المنقطع النظير والتسامي على هامات النجوم...

امتازت حماس في جميع مراحلها على كل الحركات والأنظمة بثباتها وصبرها وتعاملها مع المتغيرات بحكمة بالغة، ونظرة ثاقبة، تميل إلى المصلحة الكبرى التي لا ينظر إليها التحزب المقيت، بل يستشرفها تلاميذ مدارس الليل، الذين عرفوا طريقهم ودرسوا العقبات التي ستواجههم فشحذوا لها الهمم، وامتطوا صهوات العزم، فأريق الدم، وأنبت الجحافل..!

إن حركة حماس حركة واضحة كالشمس، تسير بخطى ثابتة إلى النصر والتحرير، وإن النجاح والانتصار فرع عن سلامة المنهج، ووضوح الطريقة، ولقد حققت حركة حماس اختراقات كبيرة في المعادلات الدولية المفروضة على رقاب المسلمين، حيث عرفت المتناقضات، ودرستها دراسة واعية، وتعاملت معها تعامل الأب مع البنين، رغم الضعف والقهر، والكيد والمكر، ولها في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير قائد ودليل، حيث لم تستعجل الثمرة، بل صبرت حتى يحكم الله، وحتى يشتد العود، فكانت البشريات، وما زالت تتوالى..!

حماس ليست الاسم اليتيم في التاريخ، بل لها أسلاف من المجاهدين، ومنهجها ليس بالمنهج الجديد، بل هو مستل من كتاب الله الحكيم، وسنة رسوله الكريم، وسير الأوائل ودروس التاريخ، لكن هذا المنهج جاء بعد فترة من مناهج سافلة، فكانت الحرب شعواء، والتضحيات على قدر العظمة، وهي طريقة العظماء الكبار، الذين رفضوا الهوان والصغار، وأراقوا دماءهم لتحيا أمتهم عزيزة كريمة لا يسوقها علج كافر، أو يحكم مصيرها منافق رعديد..

منذ انطلاقتها الراشدة، واجهت حماس الحرب تتلوها الحروب، وكانت مطابخ القرار الغربي والصهيوني تحذر من قيام أي حركة تحمل نهجاً إسلامياًّ لأنهم يعرفون أن فلسطين التاريخية، لا يستردها إلا أهل العقيدة، ولا يمكن بأي حال الانتصار على المنهج العقدي، فحذروا منها مع بيانها الأول، وروجوا الأكاذيب، رغم أنها لم تكن تمتلك صواريخ القسام حينها! لكن الصهيونية الحاقدة التي قامت على 'التمسح بالدين'، تعلم جيّداً أن سبب ضياع فلسطين هو ضياع العقيدة والمنهج والفكر الإسلامي في الأمة الإسلامية التي كانت تتأوه مكلومة من ضربات الاستعمار الفكرية والعسكرية المتتالية..!

وليس بغريب أن تقدم حماس قوافل الشهداء ومئات الأسرى والجرحى من الصفوف الأولى قبل الأخيرة، وليس بعجيب أن تسعى الأنظمة العلمانية قبل الأنظمة الكافرة إلى استئصالها والقضاء عليها، فالفكرة خطيرة على جمع الكفرة والمنافقين، فهي تمتد تمتد، وتعاود صولتها يوما بعد يوم، وتكسب جولات وجولات..! وهو الخطر المحدق بالفكر العلماني الكافر المبتلع كل أعطيات الغرب الصهيوني الفكرية والثقافية والسياسية..!

نحت القضية الفلسطينية منحاً خطيراً حين امتطى صهوتها حفنة من المرتزقة الذين لا يملكون أي رصيد في الشعب الفلسطيني المجاهد البطل، فتوالت الاتفاقيات الهزيلة، وبيعت فلسطين التاريخية على أيديهم، ولم يكن أمام حماس من بد إلا أن تدخل الانتخابات على أساس وطني وليس تحت أي سقف! رافعة لواء الوحدة الوطنية، متسامية على نداء الحزب، لتكون شوكة في حلق كل متآمر خؤون، ولكي تعيد للقضية بعدها العربي والإسلامي بعد أن صارت ملفاتها في تل أبيب وواشنطن، ففازت حماس، وانطلقت الثورة الخضراء (كما وصفها روني شكيد مراسل صحيفة يديعوت أحرنوت الصهيونية) لتحوز على البلديات فالمجلس التشريعي، فكانت الحرب وكان الحصار.....!

إن حماس اليوم ورغم كل البطش والتدمير الذي يظن البعض الواهم أنه يأكل من لحمها تزيد ثقة وإصراراً وعنفواناً، بل إن كل هذه المعاول الضارية لم تجعلها تتخبط في قراراتها أو تتعامل بالنّدية المطلقة، ولم تتماشى مع النظرة الأمريكية في العزل، بل شقت عن الأمة الإسلامية غبار التواني، ونقلت القضية إلى القاصي والداني، وما زالت تدعو لرأب صدع الصف الفلسطيني، بل وما زالت تتقدم الصفوف في القتال، وتبدع في ابتكار الوسائل العسكرية الجهادية، وتعد العدة النفسية والمعنوية والثقافية والعسكرية لتتبير دولة المسخ التي اعترف بها جمع 'أنابوليس' على قاعدة الضعف والتبعية، وشهدوا على أنفسهم بالخيانة العظمى لقوميتهم الوضيعة التي بانت معالمها ولا مجال لربطها بمصطلح 'الوطنية' حتى يلج الجمل في سم الخياط..!

وإن سألتم عن تنظيم حماس وعلاقاتها الداخلية فهو تنظيم قوي، وهي علاقات تقوم على المصلحة الوطنية والإسلامية، تنفذ قراراتها بترتيب محكم، وتواصل عميق، على أسس شورية، تتسامى عن المصالح الدنيوية الشخصية، وتحتكم إلى العقل السليم، والسياسية الشرعية، ونظام الإسلام قائد كل ذلك وحاكمه، فلا مناص عن حكمه..

وإن سألتم عن جنودها فهم أبطال ساحات الوغى، أسود الثغور، يرابطون عليها ليل نهار، يضيئون بدمائهم ودمعاتهم ليل أمتهم البهيم، قلوبهم توّاقة إلى لقاء الله، وألسنتهم لاهجة بذكره، ونفوسهم طيبة، لا يعرفون المهابط، بل تتسامى أفئدتهم إلى الفردوس الأعلى من الجنة، إليها يتسابقون، وفي سبيل الله يجاهدون، لا يطلبون مغنماً دونياًّ، أو عرضاً زائلاً –نحسبهم كذلك والله حسيبهم-.

في الذكرى العشرين لانطلاقتها، ما زالت حماس تتربع على قلب كل صادق حر شريف، وما زالت تمتد في القطاع والضفة، وما نعيشه اليوم من الحرب 'المشتركة' عليها في الضفة إنما هي غمامة صيف ستنقشع عندما يحطم شعبنا في الضفة أصنام الباطل، ودعاة الانهزام، وها هي غزة..! -التي كان يضام في سجون زبانية سلطتها الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، ويعذب فيها المفكر إبراهيم المقادمة، وتفرض الإقامة الجبرية على شيخ فلسطين، وتحارب المساجد، والجمعيات الإسلامية....- هاهي تعود إلى الحكم الرشيد، وتتهاوى في المقابل أحكام الباطل في الضفة في نفوس الناس، ومن ثمّ –قريباً-جدران السجون..!

سينفك حصار غزة، وستعود القضية إلى بعدها الأصيل، وستسقط كل شعارات الزيف، وستعود فلسطين حرة أبية إسلامية المنهج بالجهاد والمقاومة، وسيسكن المرجفون المستسلمون اللاهثون خلف بريق الدولار الأمريكي المتهاوي مزابل التاريخ، وسيكون جهاد حماس وأتباعها وإخوانها ومضة عز في تاريخ القضية الفلسطينية، وسيتحدث الأبناء والأحفاد في مستقبل الزمن عن جهاد الأبطال كما تحدث عن جهاد أبي بكر وحمزة والمثنى وعز الدين القسام....، ولن يكون للأنذال إلاّ المهازل، وهوامش المزابل..!

يكفي حماس شرفاً أن جُنّدت لأجل استئصالها شياطين الأرض من العرب والعجم، ويكفيها عزّاً أن الإدارة الأمريكية الصهيونية تعاديها، وليخسأ كل مزاود عليها من أهل العار الذين تبش وجوههم في وجوه أعدائهم، ويريدون أن يمرروا قبلات بوش ورايس وأولمرت علينا..!

عاشت حماس! ليس لأنها اسم يتكون من أربعة حروف - رغم قيمتها اللغوية ورمزيتها الجهادية، التي تدل على الحيوية والتفوق والتقدم..- بل لمنهجها الأصيل، وسبيلها الواضح السليم الذي لا يعرف المحاباة للباطل مهما كثُرت تشعباته، وتنوعت مسمياته..!
 

صهيب عسقلاني