من خلال تجربتي المتواضعة في مجال العمل الإعلامي تعلمت الكثير، والذي لا يتعلم من تجربته خلال سنوات عمره أعتقد بأنه يجب عليه التوقف فورا عن المسير في الطريق التي يمضي بها والقيام بإعادة تهيئة لعقله وطريقة تفكيره، فالعقل الذي خلقه الله تعالى حتى يرتقي ويطور صاحبه بحاجة إلى مسح بين الفترة والأخرى لإزالة الرتوش التي علقت به وباتت تؤثر على تحرك صاحبه في طريق الصواب.مسئول
ما يدفعني للحديث عن هذا الموضوع هو ما أشاهده من أخطاء تكاد تكون شبه يومية من المستشارين الإعلاميين للمسئولين في غزة وبخاصة أولئك المحيطين بالوزراء والنواب في المجلس التشريعي والمؤسسات الحكومية الكبرى، وهي أخطاء لا يمكن تجاوزها خاصة إن كانت وصلت لدرجة تضييع الهيبة التي ينبغي أن يتحلى بها ذلك المسئول في مجتمعه، وحتى لا يفهمني أحدٌ خطأ، فالهيبة التي أعنيها ليست التكبر على الناس بقدر ما هي التي يجب أن يتحلى بها ذلك المسئول كنتيجة حتمية لمكانته في المجتمع.
الإعلاميون الذي يعملون في الوزارات مثلا- إلا من رحم الله- لا يزالون يمارسون ذات الأدوار الإعلامية التي انتهت منذ سنوات طويلة، وهذه الممارسات في كثير من الأحيان تأتي بنتائج عكسية، فمهمة ذلك الصحفي أو الإعلامي تتمثل في تغيير الأنماط المعرفية السلبية والخاطئة لدى الجمهور وتحسينها تجاه الوزارة والوزير من خلال نشر المنجزات التي تقوم بها تلك الوزارة مثلا، لكن الواقع على الأرض يقول غير ذلك.
وحتى لا أُطيل بالحديث دون دليل، أتطرق لبعض النماذج التي أعتقد أن ممارستها أذهبت الهيبة لتلك المؤسسات، ومنها:
1- إحدى الوزارات التي أحسبها حققت إنجازات كبيرة وكبيرة جدا، اعتاد المسئول الإعلامي فيها أن يرسل شبه يوميا رسائل لتغطية فعاليات في الوزارة وتلك الرسائل تشمل الفعاليات الباهتة التي لا تستحق التغطية والفعاليات الكبيرة. وسائل يسأل ما الضير في ذلك؟ فأقول: إن الإعلام ليس متفرغا وحصريا لتلك الوزارة، ومع استمرار دعوة ذلك الصحفي لفعاليات باهتة فسيتكون لديه خلفية بأن فعاليات تلك الوزارة كلها باهتة “حتى وإن كان فيها أنشطة مميزة”، وهكذا تضيع الإنجازات بين ثنايا الأمور الطبيعية، حينها يبدأ ذلك الصحفي الحكومي الاتصال والتوسل لهذه المؤسسة أو تلك بهدف نشر الموضوع، وعلى خجل تنشر بعض الوسائل ذلك الخبر. إن المطلوب أيها الإعلامي الحكومي نشر أخبار الفعاليات البسيطة من جانبك لوسائل الإعلام خاصة وأن في قسمك داخل الوزارة مجموعة من الصحفيين، وإلا فما مهمتهم؟ أما الدعوة للتغطية فتكون للفعاليات الكبيرة والمهمة جدا “للعلم المهم ليس من تحدده الوزارة”، ويجب على الوزارة أن تكون دعوتها واضحة مثلا “ندعوكم لتغطية افتتاح قسم كذا يوم …” وليس “ندعوكم لتغطية الفعالية المهمة جدا جدا…”، وعندما نصل نجدها فعالية لا تستحق إرسال صحفي أقل من مبتدئ إليها.
2- يجب على الإعلامي الحكومي التصرف الطبيعي في الأحداث المختلفة، مثلا إذا أراد أحد الصحفيين الاتصال بإحدى الشخصيات للحصول على تصريح عاجل بشأن موضوع يخص المجتمع رد عليك الصحفي المحيط بذلك الوزير “هذا إن رد أصلا”، وجعل من محاولة وصولك لذلك الشخص أصعب من السفر لأميركا الجنوبية، في إحدى المرات سألت أحد أولئك عن السبب فأجابني: بصراحة لزوم البروتكول. للأسف إخواني بعض الناس تفهم البروتكول بشكل خاطئ ويجب تعليمها جيدا بأساليبه.
3- يجب على الإعلامي الحكومي أن يكون له دوره في الفعالية التي تنظمها الوزارة والمؤسسة، وهذا يحتم عليه إبداء النُصح للوزير، من قبيل اختيار الوقت المناسب للفعالية التي تنوي الوزارة تنظيمها، فمثلا: إحدى المؤسسات تريد افتتاح قسما مهما ويتزامن مع توقيته زيارة لزعيم عربي مشهور لغزة، فهل تتوقع تلك المؤسسة أن يترك صحفي فعالية ذلك الزعيم ويأتي لتغطية فعاليتها؟. لكن سيغطي ذلك الصحفي فعالية تلك الوزارة في حالة واحدة: إذا كان غير سوي التفكير، وهو إن قام بذلك فسيكون بانتظاره عقوبة كبيرة من مسئوله المباشر.
4- أخيرا، يجب على الإعلامي الحكومي إبداء النُصح للمسئول الذي يعمل عنده من قبيل اختيار الوقت المناسب للتصريح الذي ينشره لوسائل الإعلام وجدواه. أعلم جيدا بأن بعض المسئولين يتمنى، بل ويتحرق شوقا لأن ترافقه كاميرات الصحفيين حتى في داخل بيته “وهذا يظهر من خلال إلحاح ذلك المسئول لنقل كلماته للعالم من قبل وسائل الإعلام”، لكن على الصحفي الحكومي أن يبلغ ذلك المسئول أن تصريحه يجب أن يكون مناسبا للحدث، فمثلا موضوع يخص طلبة المدارس يصرح به وزير التربية والتعليم وليس مطلوبا أن نسمع تصريحا لوزارة الخارجية والأسرى والأوقاف. ثم إن كثرة التصريح لذلك المسئول تدفع المواطن لعدم الاستماع له، فأي شخص مهما علا شأنه سيمل منه المشاهد إن كان كثيرا المشاهدة والظهور له عبر شاشات التلفزة.
لقد حاولت توجيه النُصح لعدد من الصحفيين الحكوميين بشأن أخذ دورهم الفاعل وألا تتحول الجهود التي يقومون بها لأجل أولئك المسئولين “الذين ما علمنا على غالبهم إلا الخير والصلاح”، بشكل عكسي وسلبي، لكني للأسف لم أجد من يسمع منهم للنصيحة، فكان لا بد أن ترتقي النصيحة درجة، وأتمنى أن تصل الرسالة بهذه الكلمات التي خططتها بقلمي، دون أن ترتقي لدرجات أعلى.


