الخميس 08 يناير 2026 الساعة 01:54 م

مقالات وآراء

عشقٌ خلف المتاهات

حجم الخط
أيمن دلول

في عالم يختلف عن عالمنا، ووراء متاهات الزمن، يسكن “حسن” في زنزانته منذ سبعة عشر عاما، وحيدا، بلا شمس ولا قمر، أو نور ومداعبة لمياه البحر الذي كان يجاور منزله منذ كان طفلاً صغيرا.. في زنزانته لا أنيس له إلا صورتها التي يحتضنها باستمرار، أما إن سألنا عن جيرانه، فالمعروف في هذه الدنيا أن البشر لهم جيران أينما انتقلوا أو رحلوا، حتى وإن كانوا يقبعون داخل زنزانة لعينة يحدد فيها المحتل الغاصب جيران كل أسير فلسطيني، ومنذ زمن اختار ذلك المحتل لصاحبنا “حسن” سبعة من الفئران يدخلون عليه مسكنه في الوقت الذي يريده “شلومو” فيسرقون النوم من جفون “حسن”، ما داموا داخل مسكنه.عشق خلف المتاهات

 

يتذكر “حسن” السنوات الأولى عندما أودعه الاحتلال زنزانة، فيها ينام وبداخلها يأكل ويلهو.. يقضي حاجته، ويعشق كذلك، غير أن الغريب في هذا المكان الذي نتحدث عنه أن طوله لا يتجاوز المترين وعرضه المتر الواحد، ولا تزوره الشمس إلا ما ندر.

 

في بداية اعتقاله عاش “حسن” أوضاعاً صعبة، لكنه لم يترك سنوات حكمه بأكثر من عشر مؤبدات من قبل “شلومو” الذي لا يرحم بشرا ولا حجرا تؤثر على عزيمته وتقتله في اليوم ألف مرة، لذلك قرر أن يواصل مسيرة عشقه غير أبهٍ بالسنوات الخيالية التي حكم عليه الجلاد بقضائها خلف قضبانه. صحيح أن “حسن” يقبع في زنزانة كعقاب له على عشقه لمحبوبة لم يجد لها مثلا في هذه الدنيا، لكنه قرر أن يواصل حكاية عشقه من خلف القضبان مهما كلف ذلك من ثمن.

 

ومنذ اتخاذه لهذا القرار، بات برنامجه اليومي الإمساك بصورة معشوقته وقضاء الساعة تلو الأخرى يتذكر تلك الأوقات التي قضاها بصحبتها تحت ظل أشجار التوت والجميز والزيتون، وكيف له أن ينسى ذلك الهواء العليل الذي استنشقه بينما كان يجلس في بيتها، بل إن سنوات اعتقاله لم تُنسيه لحظات مداعبتها واللهو معها!!.

 

وفي صباح يوم تسللت بعض من أشعة الشمس إلى داخل زنزانته.. كانت مفاجأة بالنسبة لـ” حسن”، فقد مرت الأعوام المتواصلة دون أن يرى الشمس.. لم يستطع مواصلة النظر ناحية فتحات زنزانته التي تسلل منها شعاع ذهبي، فأدار وجهه مرة أخرى لصورة معشوقته التي مارس عدوه المحتل لأرضه كل وسائله عله يُرغمه على الامتناع عن مواصلة حبه والهُيام بها لكن دون جدوى..

 

وبتسلل الضوء إلى زنزانته بدأ “حسن” يشاهد بعضا من معالم حبيبته التي لم يراها منذ سنوات طويلة، وبعفوية تامة أخذ يتحدث إليها، وكلما نطق بكلمة انحدرت دموعه على كلا خديه: آه.. لقد مرت سنوات طويلة.. آه على هذه القلادة التي ترتديها يا حبيبتي، ما أجملها وهي تتوسط صدرك الجميل اللامع..

 

ينتقل “حسن” إلى ناحية أخرى من صورة حبيبته، وتخرج كلماته ثقيلة من صدره: صحيح أنني أعيش قصة حب طويلة معك يا فخرنا وعزنا.. صحيح أن “شلومو” يقتلنا ويأسرنا ويطاردنا لنتوقف عن حبك وعشقك، ولكن لن يُفلح بإذن الله، فالمعركة بيننا وبينه لا تزال في بدايتها.. صحيح هو يعتقل أكثر من 4700 شخص لذات السبب وراء اعتقالي، وصحيح أن بينهم أكثر من 1200 شخص لا تغادر صرخات ألمهم نتيجة المرض ساعة واحدة أيا من السجون العشرين التي يتوزعون عليها.. صحيح وصحيح وصحيح..

 

فجأة وبينما يغرق “حسن” في لحظات ذكرياته، يقرع باب زنزانته حارس السجن بشكل عنيف مصحوبا بصراخ يشبه إلى حد كبير الكلاب الضالة.. يُسرع “حسن” محاولا إخفاء صورة حبيبته قبل وصول جنود “شلومو” إليه، فهي الوحيدة التي تؤنس وحشته منذ سنوات طويلة داخل زنزانته الانفرادية. يمضي الوقت ولم يُفلح “حسن” في إخفاء الصورة، فلم يجد لها مكانا إلا ضمها إلى صدره.

 

وقف ضابط المعتقل ويُدعى “ناخشون” وتسمر أمام “حسن”، وبدأ بصياحه المعتاد: ما هذا؟ خدوها منه، قاوم “حسن” أكثر من عشرة جنود كل منهم يحاول انتزاع الصورة منه، بينما يتلقى الضربات والركلات دون أن يُعطيهم الصورة، وبعد ساعة من الضرب تكسرت أطرافه وانهارت قواه، فانتزعوا منه الصورة.

 

أمسك “ناخشون” بالصورة وهز برأسه: كل من يخمل صورة فلسطين سنُكسر عظامه وسنحرمه الحرية، رفع “حسن” رأسه عاليا بينما تتوزع دفقات دمه عليه، نظر إلى “ناخشون”، زفر زفرة شديدة، وحملق بكلتا عينيه قبل أن يزأر من جديد: أقسم بالله سنبقى نعشقها وإن قطعتم أجسادنا أو تحولت إلى أشلاء.

 

وقبل أن يتابع “حسن” بكلماته التي اعتاد أن يثير بها غضب “ناخشون” وجنوده، ضرب “ناخشون” يديه ببعضهما وخرج مسرعا، تاركا “حسن” يغرق في دمائه ووعيده..