فرق كبير وشاسع بين من يؤدي عمله لمجرد الحصول على الراتب نهاية الشهر وبين من يبذل كل ما بوسعه من أجل استيفاء متطلبات عمله استشعاراً منه لثقل الأمانة التي يحمل، ولإحساسه بالمسؤولية تجاه أبناء شعبه، هذا الفرق لا يدركه من يبادر إلى قطع الرواتب عن مستحقيها، وبالأخص عن شريحة المعلمين الذين يربون رواد الغد وبناة المستقبل.
لا جدال في أن الراتب ضرورة حياتية من شأنها حفظ النفس من ذل السؤال، لكن ذلك لا يعني بالمطلق الاستسلام والخضوع لابتزازات غير أخلاقية؛ لأن الأرزاق مقسمة ومكتوبة لكل إنسان مذ كان جنيناً في بطن أمه، لذا فلا يُقلق هذا الأمر أصحاب المبادئ ولا يزعجهم كثيراً، بل على العكس من ذلك فإنهم يرون في قطع الرواتب تمحيصاً واختباراً جديداً ويسعون بكل ثبات من أجل النجاح فيه بجدارة وتفوق، ذلك أنهم آمنوا بأن الآجال والأرزاق بيد من لا يغفل ولا ينام.
إن الأمر الذي يدعو للفخر ويثلج الصدر أن غالبية من يقطع رواتبهم لاسيما المعلمين منهم، يواصلون دورهم في خدمة أبناء شعبهم بكل عزيمة وثبات، غير مكترثين بما تقدم عليه حكومة فياض التي نالت ثقة واشنطن وتل أبيب ولم تنل ثقة نواب الشعب الفلسطيني المنتخبين. وأتساءل ألم يئن الأوان بعد لتعود حكومة فياض إلى رشدها ؟!، وألم يئن الأوان بعد كي تعود هذه الحكومة ومن يوفر لها الغطاء إلى صف الشعب الفلسطيني بدلاً من الارتماء في أحضان الاحتلال وحلفائه في العالم ؟!، وإلى متى ستبقى سياسة قطع الرواتب مسلطة على رقاب الموظفين لا لشيء سوى أنهم اعتقدوا أن بإمكانهم أن يحملوا فكراً مغايراً لمن يغتصب السلطة في رام الله، وسوى أنهم أبوا إلا أن يعضوا على ثوابت شعبهم وحقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف.
إن الدول العربية الداعمة للسلطة الفلسطينية، والتي بدأت التحرك للضغط على حكومة فياض لإنهاء مهزلة قطع الرواتب مشكورة على ذلك، وإن جاءت خطوتها متأخرة جداً، وهي مطالبة بعدم الاكتفاء بمجرد الضغط، بل ينبغي عليها التهديد بوقف مساعداتها للسلطة ما لم تتراجع قيادة رام الله عن إساءة استخدام هذه المساعدات، وحرمان آلاف الموظفين منها.
ولعله من نافلة القول، إن قطع الرواتب وسيلة العاجز والمفتقد لأي قيمة إنسانية، لاسيما أن قرارات قطع الرواتب تتوالى من قبل حكومة فياض دون أي اعتبار لمعاناة المواطنين في قطاع غزة، والذين يكابدون آلام حصار خانق لم يسبق له مثيل، ودون أي اعتبار لقرب حلول عيد الأضحى المبارك.
