الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 11:49 م

مقالات وآراء

قلب «إسرائيل» لا ينسى

حجم الخط
د.ديمة طارق طهبوب

سبعة عقود مرت وسبعة أجيال وُلدت، ومثلها غادرت الحياة وأحداث دخلت صفحة التاريخ ومات شخوصها، لكن تقادم الزمن عند بعض الشعوب ليس عاملا سلبيا على الذاكرة والعزيمة، وإنما وقود إذكاء وشحن وبناء وإرث تتناقله الأجيال.

والعدو الصهيوني يدرك أن نسيان التاريخ اليهودي وما يرجون له من المآسي والتظلمات هو مقتل وهزيمة لمشروعهم في الظهور بمظهر الضحية المستهدفة على الدوام التي يجب أن يحميها ويدافع عنها من كانوا يوما مسؤولين، أو سكتوا عن الهجرة والتقتيل اليهودي في الهولوكوست المزعوم!

 

يسمون المدينة التوراتية المحفورة تحت المسجد الأقصى بمدينة الأجيال، واختيار الاسم ليس اعتباطيا وإنما بهدف توريث الذاكرة وما يعتقدونه أمانة إقامة الهيكل من الأجداد الى الآباء الى الأبناء!

 

مشروع ترسيخ الذاكرة والحق الصهيوني لا يقتصر على الرمزية والتأريخ والسياحة الدينية، بل يتعدى الى إثبات وتحصيل الحقوق ومعاقبة كل من تسبب بالأذى للشعب اليهودي؛ تنفيذا لما قاله بن غوريون يوم الاحتفال بتأسيس الكيان الصهيوني: «بعد اليوم لن نسمح لأحد -كائنا من كان- أن ينال من حياة أو حقوق أو أمن شعبنا، لن نجعل شعبنا تحت رحمة أحد ولا في مرمى النيران».

 

وتحقيقا لهذه الأهداف، أطلقت الحكومة الاسرائيلية بالتعاون مع الوكالة اليهودية مشروع القلب HEART؛ لتعويض يهود العالم عما سُلب منهم أو فقدوه خلال الحرب العالمية الثانية قبل سبعين عاما من ممتلكات حول العالم، وقد تلقت إدارة المشروع 160 ألف طلب ممن بقي من المالكين على قيد الحياة، ومن ورثتهم للتعويض عن ممتلكات بعينها ما يزالون يملكون بعض صكوك ملكيتها، وقدمت إدارة مشروع القلب طلبات التعويض لحكومات البلدان المعنية، وأتبعت ذلك بحملة إعلامية تركز على حقوق الإنسان ومأساة اليهود والعنصرية واللاسامية ضدهم؛ بحيث يزيد الضغط على تلك البلدان من المجتمع الدولي، ويصبح التعويض مهما كانت قيمته مضمونا حتى تهرب الدول من الاتهامات التي يكيلها الكيان الصهيون، لمن يتجرأ على التشكيك بحقوقهم.

 

لا داعي أن نصف الصورة السوداوية المغرقة في التفريط من جانبنا، وما لا نعرف ويتم في الغرف المغلقة أكثر مما نعرف ويُكشف لنا ويظهر في سقطات اللسان لمن يريد أن يفرط في أرضه وبيته في صفد، ليظهر بمظهر المتسامح الذي يعطي الخد الآخر لتلقي المزيد من الصفعات!! وما الفرق بين التفريط في صفد والتفريط في القدس؟! هل للتفريط حد وهل يعترف بالقدسية؟!

لا داعي لوصف تفريط العرب أجمعين في الأكناف وغيرها، والمسؤولين مباشرة عن المسجد الأقصى والأوقاف في الوقت الذي تتعرض فيه لحملة تهويد معلنة المراحل والزمن بحسب مخططات العدو، والتي ستكتمل بعد سبع سنين في 2020، وفي هذه المراحل يتم تقسيم المسجد زمانيا بين اليهود والمسلمين، ويعتدي اليهود على المرابطين والمرابطات ويدنسون المصحف، ومن التطورات الأخيرة أيضا أن أشجار المسجد الأقصى المباركة المعمرة مئات السنين، بدأت تسقط الواحدة تلو الأخرى؛ بفعل الحفريات والمواد الكيماوية التي تقتل جذورها!

 

في الخطاب التعبوي الشعبي لا يكتفي العدو الصهيوني بالجعجعة الفارغة عن الحقوق والانتهاكات! إنه لا ريب يعبئ الشعب ويغسل دماغه بخطاب غاية في التطرف عن الأحقية والتفوق اليهودي، ولكنه مع الكلام يعمل أيضا على واقع الأرض لترسيخ الحقوق وحفظ الذاكرة،

 

ونحن نتأمر على الذاكرة كما نتأمر على الإنسان والمكان!!

كتب الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في الموسوعة الصهيونية أنه زار منزل عائلة شهيد فلسطيني حصده الرصاص، وهو يحاول أن يعبر السلك الشائك ليعود الى الأرض، وكان منزله على قمة تل من تلال عمان، فجاء مجلسه الى جوار عجوز من أتباع الشيخ القسام رحمه الله فقال له: «كنا نعلم تمام العلم أن أسلحتنا العثمانية عتيقة، وأننا كلما اشتبكنا مع الصهاينة والانجليز، فإنهم يحصدوننا حصدا برصاصهم، كما فعلوا مع ابننا الشهيد، ومع هذا كنا ننزل كل ليلة من قرانا كي ننازلهم»، فسأله المسيري: لمَ؟ فقال العجوز: «حتى لا ننسى الأرض والبلاد.. حتى لا ينسى أحد الوطن».

 

مات العجوز تربية المدرسة القسامية، وورِثَنَا المفرطون المصابون بفقدان الذاكرة، فهل فقدت الشعوب ذاكرتها إذا كان رؤساؤهم مجانين؟!