السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 06:43 ص

مقالات وآراء

استمراء الذل

حجم الخط
بلال العدلوني

التعود على الذل يميت القلب ويفقد الإحساس بالكرامة ويجعله شيئاً عادياً لا تستهجنه النفس, لكن هناك من يرفض الذل ويقبض على جمر كرامته ويثور محطماً كل مفاهيم الذل والعبودية والاستسلام, وفي المقابل هناك من استمرئ الذل وتعود عليه بل هو يستمتع به ويجاهر باستمتاعه وفوق كل ذلك فقد رافق ذله نذالة, فأصبحت أفعاله وأقواله ترجمة صريحة لما اكتسبه من نذالة وذل فلا انتهاكات تحركه ولا اغتصابات تخجله ولا حتى مجازر تنبهه حتى لو كانت في عقر بيته وفي صلب عرضه, فقد ماتت الحمية واستفحلت الدياثة ومن لم يستح فليفعل ما يشاء.

 

اليوم يستشهد الأسير ميسرة أبو حمدية الذي أنهكه المرض كما أنهكته سجون الظلم الصهيونية التي أهملته حتى الموت, وقبل ميسرة بستة أسابيع كان عرفات جرادات الذي قتل داخل أقبية التحقيق الصهيونية, وبعد عرفات وميسرة لا ندري من التالي, ولكننا ندري ما يتلو كل عملية إعدام لأسير داخل السجون الصهيونية, فكل إعدام يتلوه ضوضاء وجلبة من الداخل لتلفت انتباه ضمائر النيام في الخارج, لكن دون جدوى فالعربان النائمة ترقد في غيبوبة أنهكهم ذلها وسيطرت على أفعالهم النذالة فهم يسمعون ويتجاهلون بل ويتملقون للقاتل ويستجدون رضاه وإحسانه حتى لا يمنع عنهم الجزرة الوهمية فهم قطيع مطيع, لا ناقة لهم في الحرب ولا جمل, فالذين يموتون في سجون الجلاد الصهيوني هم من اختاروا طريق العزة والكرامة وشذوا عن قطيع العربان المطيعة للراعي الجلاد, فهؤلاء الأذلة الانذال لا يطيعون الجلاد فحسب بل ويستجدون مفاوضته للاتفاق على الآلية التي سيجلدهم بها وهم ركوع.

 

هما نجدان واضحان منذ القدم لا ثالث لهما, الأول يسلكه القليل وهم الأبطال الأباة البواسل الذين يخوضون كل صعابه وأهواله من سجن وتعذيب وظلم واستشهاد ولكن النهاية علوٍ وارتقاء وعزة وإباء, أما الثاني يسلكه العدد الأكبر وهم الأذلة الخاضعون الذين يرهبهم الظلام ويرعبهم مجرد الكلام فهم آثروا بساطير الجلاد ليلتحفوها ويفترشوا ترابها فذلك أضمن لشهواتهم التي لن تدوم, فصبراً أسودنا القابضة على جمر الغضا فلا يضيركم من خذلكم وتجاهل صمودكم فأنتم رواد العزة والكرامة وطليعة النصر القادم والفجر القريب بإذن الله.