الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 11:32 ص

مقالات وآراء

انتصار وانكسار

حجم الخط
أ.د. يوسف رزقة

ما حققته حكومة أردوغان من اعتذار (إسرائيلي) عما حدث لسفينة مرمرة التركية جيد، وهو انتصار بشكل أو بآخر لسياسة تركيا الحازمة في حماية الدماء التركية وفي الحفاظ على المصالح التركية وهيبتها وهو انكسار للتعنت الصهيوني. لقد حصل أردوغان على اعتذار رسمي بحضور أمريكي وبوساطة أوباما نفسه وحصل مع الاعتذار على تعويض كامل لأسر الضحايا والمتضررين، إضافة إلى وعد صهيوني مراوغ فيما يتعلق برفع الحصار عن غزة.

 

القضية التي حصلت مع سفينة مرمرة في عرض البحر هي قضية تركية في المقام الأول، ورد الفعل عليها من قبل الحكومة التركية كان ردًا أيضا في المقام الأول، وهو يستهدف المصالح التركية في المقام الأول أيضا، أما ما يتعلق برفع الحصار عن غزة فهو طلب تركي كان قبل مرمرة وبعدها، وكان قبل الاعتذار وبعد الاعتذار، لذا يجدر بنا كفلسطينيين ألا نحمل الأمور فوق ما تحتمل، فالحصار أكبر من العدوان على مرمرة وتشارك فيه إلى جانب (إسرائيل) أمريكا وأوروبا ودول عربية، وغاياته أبعد من الموقف التركي. لقد ربط أردوغان بين الاعتذار والتعويض ورفع الحصار عن غزة بسبب أن سفينة مرمرة والشهداء على متنها- ولا نزكيهم على الله- كانوا متجهين إلى غزة بهدف رفع الحصار عنها، وبالتالي أراد أردوغان أن يستكمل جهود مرمرة بطلبه رفع الحصار مع الاعتذار.

 

لقد رفضت (إسرائيل) الاعتذار على مدى الأعوام الماضية غير أنها اضطرت إلى الاعتذار بتمسك تركيا بمطالبها من ناحية، ولتضرر علاقاتها الاستراتيجية والعسكرية مع تركيا من ناحية ثانية، ولتبدل البيئة الإقليمية من حولها من خلال الربيع العربي والثورة السورية من حولها من ناحية ثالثة، وللتقارب التركي المصري من ناحية رابعة، ولتوقف القتال بين الأكراد والحكومة التركية من ناحية خامسة، لكل ما تقدم نقول كانت (إسرائيل) في مأزق برفضها للاعتذار فجاء أوباما إليها ليخرجها من هذا المأزق بوساطته وبالاعتذار ليمنع تدهور العلاقات في ظروف حرجة في الإقليم.

 

نحن كفلسطينيين نقدر الموقف التركي الذي أدته سفينة مرمرة ونقدر الموقف التركي الذي أداه الرئيس أردوغان، ونؤكد على أن دولة الاحتلال هي دولة مراوغة في علاقاتها وكاذبة في تعهداتها، ونحن في حاجة إلى استمرار الضغط التركي على حكومة اليمين الصهيوني لرفع الحصار عن غزة بشكل حقيقي بحيث يشمل الرفع الحصار السياسي والاقتصادي والمالي، إن رفع الحصار في النظرة الإسرائيلية يقتصر على تمرير المواد الغذائية والإنسانية ولا يشمل العناصر الاقتصادية والمالية، وهو ما تكافح غزة من أجله من خلال علاقاتها مع تركيا وعلاقاتها الإقليمية. تركيا انتصرت بسياساتها الواضحة وبحصولها على كرامة شعبها، وغزة ستنتصر بمقاومتها وبكرامتها وبإسناد المتضامنين معها بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.