الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 04:48 م

مقالات وآراء

عمالة الأطفال بين القانون والتطبيق..

حجم الخط

في الأراضي الفلسطينية المختلفة تنتشر بشكل واضح عمالة الأطفال في مشهد أليم ومُحزن، خاصة مع ما يترتب على ذلك من مخاطر جمة على شريحة مهمة في المجتمع الفلسطيني تُشكل عموده الفقري المنتظر للنهوض والارتقاء خلال المرحلة المقبلة في مواجهة مخططات متعددة للاحتلال الصهيوني تستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني.

 

عمالة الأطفال

 

 فعلى مفترقات الطرق يتحركون، وداخل وُرش الحدادة ولأداء الأعمال الشاقة ينتشرون، ومع أعمالهم يغادرون البيئة التي ينبغي أن يتواجدوا فيها كالحصول على التعليم والرعاية الاجتماعية والعيش مرحلة الطفولة كما أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في العشرين من نوفمبر عام 1989، في اتفاقية حملت عنوان “حقوق الطفل”، وأدخلتها حيز التنفيذ في الثاني من أيلول عام 1990، وهو ذات الأمر الذي أكدت عليه السلطة الفلسطينية في مقدمة النظام الأساسي الصادر عن المجلس التشريعي الفلسطيني، وعبرت خلالها عن التزامها بمبادئ القانون الدولي العام ومبادئ حقوق الإنسان، وما يتمخض عنه من الالتزام بنصوص اتفاقية حقوق الطفل.

 

ومن خلال الإطلاع على واقع عمالة الأطفال في الأراضي الفلسطينية يمكن رصد مناطق خطرة ينتشر فيها الأطفال القاصرين للعمل على مدار ساعات تتخطى الوقت المحدد لعمالة الكبار، فما بالنا بأجسام صغيرة لا تقوى على القيام بأعباء مهن خطيرة لا تناسب العمر الزمني لهم. وقد حدد القانون الفلسطيني عددا من المهن والصناعات التي يُحظر على الأطفال والقاصرين العمل بها، ومنها:

 

- صناعة واستعمال المبيدات الحشرية.

 

- العمل في المسالخ والمذابح.

 

- جميع أنواع اللحام التي يصدر منها أشعة وغازات ضارة.

 

- صناعة الكاوتشوك.

 

- الدهان بطريقة الدوكو.

 

- العمل في تبييض وصباغة المنسوجات.

 

- الأعمال الثقيلة التي تتطلب جهدا جسمانيا مرهقا ومتواصلا، كأعمال العتالة وحمل أو جر الأثقال لأكثر من (10) كغم فما فوق، وأعمال البناء، وما شابهها من أعمال.

 

إن الأعمال السابقة التي ذكرتها وتطرقت إليها آنفا من أبرز المهن التي ينخرط فيها الأطفال بالأراضي الفلسطينية بغرض العمل، والسبب الذي يسوقه هؤلاء الأطفال للعمل وترك مقاعد الدراسة التي هي من حقوقهم الأساسية التي كفلها لهم القانون تتمثل في الأوضاع الاقتصادية الصعبة ومساعدة الأهل في تسديد فواتير الحياة مرتفعة التكاليف، وغيرها من أسباب لا تجد لها شيئا ملموسا على الأرض “في الغالب” وبخاصة حينما تصطدم تلك الأسباب التي يسوقها الأطفال مع المسئوليات الحكومية التي كفلها القانون للحفاظ على شريحة الأطفال وتوفير الأجواء اللازمة لهم من تعليم وعلاج وحياة كريمة لا تؤثر على سنوات عمرهم اليافعة التي ينبغي أن يقضيها الطفل في اللهو واللعب والتعليم وليس في ورش الحدادة وبين المعدات الثقيلة.

 

ومن خلال نظرة متفحصة للعديد من القوانين ذات العلاقة المباشرة مع عمالة الأطفال مثل: قانون العمل وقانون الشباب وقانون الطفل وغيرها من القوانين الفلسطينية، نجد بأن تلك القوانين حفظت بشكل واضح حقوق الطفل من الاستغلال وحثت على ضرورة حمايته من أي انتهاك أو استغلال لعمره، بل ورصدت لذلك العديد من المواد القانونية العقابية الناظمة لهذا الأمر وحددت في سبيل ذلك عقوبات مالية صارمة لرب العمل الذي يستغل الطفل في مهام ومهن وأعمال لا تناسب عمره الزمني. إن التشريعات الفلسطينية جاءت ناظمة وكافلة لحقوق الطفل من مختلف جوانبها، غير أن المشكلة تكمن في جانب آخر.

 

إن القوانين التي أقرها المجلس التشريعي الفلسطيني والسلطة الفلسطينية على مدار سنوات طويلة وأنفقت عليها المؤسسات الفلسطينية ملايين الدولارات من ميزانية الشعب الفلسطيني الفقيرة أصلا بحاجة إلى أن تجد النور في التطبيق على الأرض بدل أن تبقى حبيسة الأدراج في المجلس التشريعي الفلسطيني. وهذا التطبيق بحاجة إلى جهود كبيرة من قبل السلطة التنفيذية بغض النظر سواء كان ذلك بالتزامن مع انقسام سياسي أو بنجاح المصالحة الفلسطينية الداخلية.

 

إن المشكلة تكمن في أن أرباب العمل وحين مسائلتهم عن العاملين لديهم يُعطون المؤسسات الرقابية المختلفة أرقاماً مغلوطةً وغير صادقة للعاملين عندهم وهذه معلومات تتمثل في قضايا مختلفة مثل: سن الشخص الذي يعمل لديه، المبلغ المالي الذي يتلقاه، طبيعة عمله، عدد ساعات عمله. بل إن الكارثة تكمن حينما يهدد رب العمل العاملين من الأطفال لديه بالفصل في حال أعطوا معلومات مخالفة عن تلك التي أعطاها للهيئات الرقابية المختلفة. الأمر الذي تتواصل معه شريحة مهمة من المجتمع الفلسطيني باستمرار التغطية على جريمة بحق الطفولة الفلسطينية.

 

 

وإزاء التغطية من رب العمل على معلومات بشأن الأطفال العاملين لديه وعدم مصداقية من “الأطفال العاملين” أنفسهم وإعطاء معلومات مغلوطة ينبغي على الجهات التنفيذية المختلفة في السلطة ابتكار أساليب جديدة للتعرف على واقع عمالة الأطفال في الأراضي الفلسطينية وعدم الاقتصار على زيارات معروف مسبقا توقيتها والقيام بزيارات فُجائية وبأساليب تختبر مصداقية رب العمل والأطفال على حد سواء، فالأطفال هم كنز فلسطين والأمل بالنصر على أيديهم.

 

أيها المسئول والوالد.. إن ابنك أمانة وأنت مسئول “فكلم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته”، إن الأطفال اليوم صحيح أنهم أطفال ولا يعلمون مصلحة أنفسهم ولا يعرفون ما ينفعها أو يضرها، لكنهم في الغد لن يبقوا أطفالا وسيصبحوا شبابا ورجالا فلسطين تحتاج إليهم، فإن أحسنا تربية وتعليم هذا الجيل فسنحصل على جيل قوي قادر على حمل فلسطين الوطن والقضية، وإن تركناه أمام الاستغلال وعدم الاهتمام سيخرج جيل مُنهار لا يقوى على حمل فلسطين ولا يُلقي لها بالا، وحينها لا ينفع الندم.