الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 11:40 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

التغيير الممنوع في العالم العربي (2)

حجم الخط

1- الرضا بالتبعية والدون في العالم العربي.

لعل أسوأ ما في العالم العربي رضا الأنظمة العربية بدور التابع والمنفذ المؤتمر المطيع الذي لا يناقش. وهذه ليست جبرية إلا على من رضوا أن يكونوا في المنازل الدون.. ويقوموا بدور العملاء والأدوات.

فهذه هي دولة البغي والإرهاب والعدوان تمتهن كرامة أعظم رئيس لأعظم بلد، ويأتيها مستجدياً "صداقة الشعب الإسرائيلي" بحسب تعبيره أو استجدائه. فلماذا وصلوا هم إلى هذا العلو ووصلنا نحن إلى هذا الحضيض؟

 

ولقد رضي المسؤولون هذا الدور في مقابل البقاء في المنصب واستمرار جني المنافع، ومنذ عهد محمد علي وقد كان متغرباً كبيراً من أشد المعجبين بالحضارة الغربية، وأراد تغيير مصر وفق المنهج والنموذج الغربي ولم يسمح له الغرب حتى بهذا، فقد حملت السفن الغربية مصانعه للنسيج والسكر وغيرها ورموها في البحر، حتى لا تنهض مصر ولا تعمر ولا تتقدم، بل حتى لا تقوم لها قائمة.

 

وحتى زمن ناصر، فقد أنشئ مصنع للسلاح برأسمال عربي ثم شطب المصنع ورأس المال ولم يدر أحد ماذا جرى..

ولقد شهدت إبان دراستنا في مصر تحول مصانع الطيران(م ط) إلى مصانع طناجر وقلايات.. ذلك لنعلم أن هذه المنطقة محظورة علينا، ونحن قبلنا بالتبعية وقبلنا بالدنية وقبلنا بالدون، وما كل هذا المسلسل من المآسي إلا لأن المسؤول لا يأتي بالطريق الصحيح، وهذه ضريبة الطرق الخطأ..

 

ورأيتم كيف تدخلت أمريكا في ليبيا، لصالح انتخاب من ترضى عنهم ولإقصاء من لا ترضى عنهم.

وتذكرون أيام العفن الذي اسمه مبارك وكيف دمر مصر وأمريكا تجمع له كل زعماء المنطقة ليوافوه الى شرم الشيخ وهو لا يحسن جملتين، وتصوره على أنه زعيم الاعتدال العربي، والقوة المؤثرة، وكان حتى الذين يضاهئونه في السف مستسلمين لقيادته، وليس له ميزة إلا لأنه الأكثر إرضاء لأمريكا وإسرائيل، وكلهم رضيّ، لكنه الأرضَى.

وكيف حشدت كل قوى العلمانية والليبرالية واليسار واليمين والإعلام والسياسيين والبلطجية والحشاشين والفنانات والفنانين ضد مرسي، حتى قال بعضهم: لا لحكم الدين! لا للدولة الدينية. ولقد حكمتنا دولة مبارك الطينية فما سمعنا من كلب منكم صوتاً!

وحتى هيكل الذي كان يقول اعطوا الرجل فرصة، تحول إلى معسكر الرفض للتجربة جملة وتفصيلاً. باختصار: التغيير نحو الأحسن خط أحمر شديد الاحمرار.

 

2-الثورات والتدخل لتعيين القيادات.

في كل الثورات العربية التي حدثت في زمن الربيع العربي، كان الشغل الشاغل لقوى الاستعمار والاستكبار، من هم قادة الثورة وما توجهاتهم وما فكرهم وما معتقداتهم؟

 

وفي كل ثورة كانوا يحرصون على الانتقال المتدرج والبطيء، وألا يزاح النظام بقضه وقضيضه، بل إنهم في حالة الأسد كما صرح كيري قبل أيام قليلة فقط من كتابة هذه الكلمات أنه يتمنى- لا زوال الأسد-، مثلما كان يقول عن صدام سادته في تلك الفترة: إن العالم سيكون أكثر أمناً بعد صدام. وما ذاك إلا لأن الرجل حاول الفكاك من قبضتهم ومن سيطرتهم فصفوه، ولولا أن المالكي يسير وفق أجندتهم ما بقي يوماً.

 

نعود إلى كيري الذي قال: "إنه يتمنى أن يرى المعارضة تجلس مع الأسد على طاولة حوار واحدة" لقد مضى إذاً العهد الذي كانوا يقولون فيه نفاقاً وخداعاً وتدليساً: "أيام الأسد باتت معدودة" منذ سنين فقط.

بل إن أمريكا وحلف الناتو يفكرون جدياً في توجيه ضربات بالطائرات من دون طيار لبعض فصائل الثوار.. ونسوا بشار قائد الأشرار! فهذا لا يطالب بشيء لأنه ووالده من قبل أحسن من خدم مخططاتهم، وحارب التدين والدين الإسلامي وأقصى القيم الإسلامية من المجتمع تحت غطاء من الثورية والتقدمية والممانعة والمقاومة. فأين يجدون أحسن من هذا؟

 

3- الدرس المستفاد: دون التغيير للأحسن خرط القتاد!

ولقد تعلمنا في السنتين الماضيتين دروساً مهمة جداً، وثمينة جداً، ولا تتعلم في أضعاف الزمن الذي تعلمناها فيه. وأهم الدروس أن الاستكبار يمسك بخناقنا وتلابيبنا أوثق مما كنا نتصور. وأن أدواتهم أخطر مما كنا نقدر. وأن من لا وزن له ولا شعبية ولا حضور بالدعم الخارجي يصبح في حجم الديناصور. وأن مفاصل الدولة في طول العالم العربي وعرضه حتى الدول التي تدعي أنها قائمة على الدين، أقول: كل هذه الدول يمسك بمفاصلها العلمانيون وهم طبقة المستفيدين من الأوضاع الموجودة، وقد ربطوا مصيرهم بمصير الأنظمة الموجودة ارتباط حياة وبقاء ووجود، نكون أو لا نكون. وهؤلاء متمترسون جيداً يدعمهم قوى خفية وعميقة وإعلام بُني على الكذب والتدليس والزور.. وعلى معاداة الإسلام. وإنهم ملتقون سراً مع مصالح إسرائيل وأمريكا على طول الطريق. وقد باتت حيلة هذه الرموز من قائد الأركان التركي في العهود العلمانية "حقي" إلى عمر سليمان، إلى الثائر البطل أبو القومية والاشتراكية والثورة والعروبة والأفرقة القذافي، أقول كل هؤلاء وغيرهم كان مرتبطاً بخيط خفي من المصالح السرية بإسرائيل، بل يدين ببقائه ووجوده له، ولقد كتب الحسن الثاني في كتابه ذاكرة ملك في أول الكتاب: إن أبي، محمد الخامس، أوصاني أن إذا أردت أن يثبت ملكُك فحسن صلتك باليهود وإسرائيل.

لقد توهم الإسلاميون بفوزهم من خلال الصناديق أن الدنيا طابت وزهت وأزهرت، وإذ بحسابات الحقل لا تتطابق مع حسابات البيدر. وأظن أن الأمور مقبلة على مفصل خطير، وستجدون من غلاة العلمانيين ما لا يخطر ببال! وإذ بهم لا يؤمنون لا بديموقراطية ولا بشعب ولا بصناديق، إلا إذا أتت بهم هم. وصار مثلهم كمثل الطفل المدلل الذي تعود أن تعطيه أمه فوق حصته حتى "باظ"!

 

وهؤلاء العلمانيون مدللو الأنظمة وأمريكا من ورائهم ومن فوقهم، ومدللو أوروبا والإعلام الذي هم سادته طيلة العقود المنصرمة.

والآن فإن هؤلاء يتصرفون كأنهم أصحاب حقوق مكتسبة لا يطيقون ولا يريدون التخلي عن شيء منها، وصاروا نسخاً عن الأنظمة التي شعارها: إما الأسد أو خراب البلد. إما هم وإما الطوفان. ومصر في سبيلهم إلى إحراقها ولا تطيب لمسلم! الأمور فيما أرى خطيرة جد خطيرة، ولعبة هؤلاء قذرة عسيرة مريرة، ووالله إن الوطن لا يخطر لهم ببال. ولا مصلحة الأمة ولا مستقبل المنطقة ولا الشعوب.. المهم أن تدوم لهم المنافع والمكتسبات.. إنهم الملأ الجديد من حول مراكز القوى التي واجهت أئمة الإصلاح: الأنبياء. وهؤلاء يواجهون المبدأ نفسه. أوليست الديموقراطية التي هي نموذجكم الأعلى أن تتداول السلطة ويأخذ كل فرصته؟

إنهم يقولون بالتصريح لا بالتلميح: لن نسمح بإجراء انتخابات لأنهم أي الإسلاميون هم من سيفوز! إنكم إذاً تصادرون صوت الشعب، وتقطعون الطريق على دينكم الذي اتخذتموه زاعمين لكم ديناً، وإذ بكم لا دين لكم إلا مصالحكم.

 

وقد بلغني أن حمدين تلقى التعليمات من إيران التي تدفع له، أن يُهدئ أثناء زيارة "طويل النجاد" وقد كان! فأين الوطنية والقومية والشعوبية والناصرية وأنت تأتمر بأمر أعدى أعدى كل ما ذكر!؟

 

المعركة مفروضة ولم يخترها من الإسلاميين أحد، إنهم هم بدعم سادتهم يجرون الناس إليها جراً. والمعركة مريرة طويلة. وأخشى أن يحبطوا آمال الناس بما يجرعونهم من آلام، فيكفر الناس بالثورة والتغيير..

 

وهذا آخر ما يخطر بالبال. إن الدعوة إلى اليقظة والانتباه شيء والإحباط واليأس والقنوط شيء آخر.

يطمئننا بفضل الله أمور أن هذا الدين دين الله، وأن معركتهم مع الذي لا يغلب سبحانه، وأن الشعب معدنه أصيل متين، ولن ينجحوا في إخراجه عن طبيعته ومعدنه.. والله غالب على أمره.. ولعلنا نعود إلى هذا الموضوع من جديد.