1- أعداء الإصلاح والتغيير
خشيت الملائكة من وقوع الفساد في الأرض ومن سفك الدماء، وهو ما قد كان. وقد أرسل الله الأنبياء ليقودوا الإصلاح في مجتمعاتهم وليوقفوا الفساد ويمنع كل نبي قومه بالحجة والإقناع من الوقوع في الشر والفساد، فكان ينبري لكل نبي من الأنبياء أعداء الإصلاح، فيملؤون المجتمع بالإشاعات ضد الأنبياء، ويسمموا الأجواء الاجتماعية من حول الأنبياء، فلا تعود تقبل دعوتهم ولا تستمع كلمتهم. وقد سمى القرآن الكريم هؤلاء بالملأ، والملأ هم الفئة المستفيدة من الواقع الموجود، والمتضررة من أيّ تغيير قد يقع. وما من نبي إلاّ وتعرّض له هؤلاء بالأذى والتشهير والمقاومة. واقرأ سورة الأعراف، على سبيل المثال.
وبعد قصة آدم في السورة وإيقاع إبليس لأبينا في شراكه وخداعه، وهبوطه إلى الأرض، بل هبوطهم جميعاً آدم وزوجه وإبليس لتبدأ معركة الخير والشر في هذه الأرض، ومعركة الإفساد والإصلاح إلى يوم القيامة، وليكون الشيطان أو إبليس قائد معركة الفساد ضد الإصلاح، وكل من سار على خطواته هو جندي مجنّد للفساد ضد الخير والإيمان والصلاح والرشاد والعقل والهدى والنور، وإن تسمى تنويرياً أو ثورياً أو كائناً ما كان.
وتعجب أنّ الملأ بدأ من قصة نوح، أيّ في فجر البشرية. لقد بدأت تتشكّل مراكز القوى، ومحاور الشر ومحركات الفساد منذ ذلك الزمن الموغل في القدم والبدائية، فعندما انبرى نوح بدعوة قومه إلى عبادة الله وحده، وهي الحقيقة الإيمانية والفطرية والعقلية والكونية التي لا مرية فيها، ومع هذا انبرى هؤلاء منذ فجر الإنسانية المبكر، انبروا لهذا النبي وسجل القرآن المبين ذلك، إذ قال في قصة نوح مع قومه: "قال الملأ من قومه إنّا لنراك في ضلال مبين." وينفي النبي عن نفسه تهمة الضلال، وواضح من هو أولى بها.
ثم تكون النتيجة الحتمية هلاك المكذبين الفاسدين المفسدين الكافرين المعاندين وهم الملأ ثم بقية الشعب ممّن يطيعهم جهلاً أو يخضع لهم قسراً وقهراً وإرغاماً. هذه النتيجة هي غرق القوم وهلاكهم لتنشأ بعدهم أمة أخرى من ذرية نوح ومن آمن معه وذراريهم، ثم ما يلبث الشرك أن يتسرب إلى العقول من جديد.
وفكرة الشرك أنّه نظرية تفسّر الوجود يطرحها أصحاب مراكز القوى لتكون بديلاً عن الدين، تماماً كنظرية التطور فيما بعد، "وقانون الصدفة" على رأي "محمود أمين العالم" الشيوعي المعتق، ثم نظرية ماركس في الإلحاد والمادية، كلها نظريات تقصي فكرة التوحيد ليتمكّن البشر من أن ينصبوا أنفسهم أرباباً وآلهة، فالنظرية الماركسية تقصي ألوهية وربوبية الإله الحق عن حياة الناس ليحلّوا هم محلّها، ويزيحون حكام المجتمع من طبقة البورجوازيا التي كانت تحكم وتتحكم، زوراً، باسم الدين، ويحلّون محلّها، فهي ربوبية زائفة تحلّ محلّ أخرى زائفة، ويتفق الطرفان على إزاحة التوحيد وإقصاء الدين الحق.
ويزيح الله من الوجود ويريح العالم من الشرك، لتنشأ أمة جديدة، ولكنها بمؤامرة من حلفاء الشيطان والمعلم الأكبر الشيطان، وهو الراعي للفساد والمنظر له، يبدؤون مسلسلاً جديداً من إغراق الأرض في مسلسل الفساد، ولا يستطيع الدعاة بعد الأنبياء أن يقفوا في وجه ذاك الطوفان، فيأتي نبي جديد، فتقصّ علينا الأعراف بعد نوح قصة هود ليواجهه المجموعة نفسها وتسجّل السورة: "قال الملأ الذين كفروا من قومه إنّا لنراك في سفاهة وإنّا لنظنك من الكاذبين" 66، ويردّ عليهم وتنتهي القصة بنهاية كنهاية نوح: الهلاك، ولكن بالريح بدل الماء.
ليأتي بعد ذلك قوم صالح، وموقف الملأ هنا أكثر تميزاً ووضوحاً، ويبدو أنّه مع تطور المجتمعات، وتطور القوى وديناميكية المجتمعات، أصبح الملأ أكثر قوة وهيمنة، واستمع كيف عرضهم سياق سورة الأعراف: "قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أنّ صالحاً مرسل من ربه.." إلى آخر القصة.
ثم تأتي قصة لوط فشعيب، حيث طغيان المال وتوضح وتغول الفساد، إذ يقول لهم نبيهم: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" 85، ثم يقول لهم: "وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين" 86.
وتظلّ موجات المجتمعات تتلاحق وتتدافع وتتتابع حتى تأتي قصة موسى وفرعون لنواجه تطوراً في قوى الشر والبغي والفساد، ومزيداً من تمركز القوة في قبضة واحدة.
ومع أنّ القوة كلها بيد فرعون، إلاّ أنّه كان يزيّن بلاطه ومجلسه بالملأ الذين يعيدون قوله كآلات التسجيل فهو يقول: "إنّ هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون" الشعراء 34-35.
وفي الأعراف: "قال الملأ من قوم فرعون إنّ هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون"، حتى كلمة "فماذا تأمرون" أعادوها بلا فهم كما هي، مع أنّهم هم مخاطبون بها.
وبعد، فقد أطلت في هذه المقدمة التي أعتبرها تقعيداً لفهم موضوع الفساد وأنّه عابر لا للحكومات كما يقال في مصطلح هذه الأيام، إنّه عابر للأقوام والقرون والأزمان والملل وأصحابها والشعوب وأنماط الحكم المختلفة، إلاّ ما رحم ربي، وقليل ما هم.
2- الاستعمار أنشأ واقعاً وهو يحرسه
لقد وقعت كل دولنا في قبضة الاستعمار وتحت حكمه، وقد درسوا أبناءنا في معاهد العلم في المراحل المختلفة أنّ الاستعمار جاء لنهب الثروات. وأعتقد أنّ هذا هو الهدف الثانوي أو التبعي أو المتحقق ضمنياً ومن باب تحصيل الحاصل، وإنّما الهدف الأول والأوحد إنشاء واقع جديد بحيث يفرخ ويفرز هذا الواقع أشباهه إلى ما لا نهاية. فإن قامت محاولات إصلاح وتغيير واقع الفساد الذي يرعاه الاستعمار وينفذه الوكلاء والأتباع والمتغربون على ما هو عليه، وتجاربنا كثيرة مريرة في أقطار وببلدان عربية عديدة.
ولا نريد أن نعيد تجربة الجزائر، فهي أوضح من أن تستذكر أو تستحضر للذهن أو تعاد، وتجربة الثورات أخيراً، فقد سكتوا على القذافي حتى كاد يحرق البلد ثم سمحوا بعد ذلك بتزويد المعارضة بالسلاح، بعدما ترنّح، وقد كان القذافي صديقهم جميعاً من غونداليزا رايس التي كانت صورتها في غرفة نومه، إلى بلير الصهيوني الشهير، إلى ساركوزي الذي كانت علاقته به عميقة معمقة إلى حد دعمه في حملته الانتخابية بالملايين من ثروة الشعب الليبي.
وكذا الملياردير برلسكوني الفاسد العفن المفسد الذي كانت صلته وثقى بالعديد من الزعماء العرب، ومن بينهم مبارك الذي كان يقضي معه في عزبته أيّ مزرعته في جزيرة سردينيا أياماً قال عنها مبارك: أيام من الجنة التي لن يراها إن شاء الله وقد أخذ نصيبه منها في هذه الدنيا، وبقي عذاب ما تبقى من عمره وعذاب الآخرة أشد وأبقى إن شاء الله.
وكل العالم رأى مناظر تقبيل برلسكوني ليد العقيد الحقيد.
أمّا "إسرائيل" فقد دعمته بالسلاح من خلال دحلان ومن خلال صديقيه، أيّ العقيد ودحلان: جاك نمرودي ويعقوب نمرودي، وهما يهوديان ليبيان كانا ينزلان عند العقيد في المحل الأرفع طيلة حكمه. وإنّما الثورية ضحك على الذقون!
ثم تجربة ثورة الشعب السوري ضد مدعي الثورية والتقدمية واللاطائفية والممانعة والمقاومة بشار. وتأمل بالله أنّ أوروبا في بدء السنة الثالثة للثورة وبعد أن دمّر الأسد البلد تفكر في رفع الحظر عن تزويد الثورة بالذخيرة! وقبل هذا بأيام قالوا: رفع الحظر عن الأسلحة غير القتالية يعني البساطير العسكرية والملابس المبرقعة والطواقي العسكرية، وإلاّ فترجموا لنا معنى الأسلحة غير القتالية وغير القاتلة كما قالوا قاتلهم الله.
وقد كانت دعاية المجرم الطائفي أنّها مؤامرة إمبريالية على ثوريته وتقدميته ورعايته للمقاومة. وأول من كان يأمر العالم بعدم السماح بتسليح الثورة هو "إسرائيل"، وهذا معروف وكررناه منذ اليوم الأول.
إنّ المستفيد من الفساد وبقاء الأحوال على هذا المنوال وعلى هذا الشلل والخراب، هو "إسرائيل"، فكيف تسمح بتغييره؟ وبعد أن نجحت الثورة في مصر وتونس قامت قوى الاستكبار والصهيونية بتحريك الأدوات من فلول النظام وسياسييه العفنين والعملاء من أمثال عمر سليمان عميل الموساد وأحمد شفيق نسخة عمر سليمان، ومن أمثال عمرو ليفني وحمدين والبرادعي، إلى آخر الفرقة، ثم سخّرت إعلام التهييج والكذب لمحاربة الثورات وإسقاط الأمل في التغيير.
ومنذ الآن تشترط قوى الاستكبار، أنّه إن سمح بتسليح الثورة السورية، ألاّ يؤول السلاح إلى أيدي أعداء "إسرائيل"! إنّهم يريدون التحكم في الواقع العربي، إن قبل الثورات وإن بعد الثورات.
فإلى متى يستمر هذا؟ وهل نسلم لهم بهذا؟ وكيف نتخطّى المؤامرات ونجتاز العقبات؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في مقبل الحلقات!


