أوجعوا رؤوسنا بتلك الدعاية عن الحبة التي تريح الرأس، والتي يمكن لنساء اليوم أن يأخذوها لمنع الحمل، وهذا اسمها الصريح والطبي «حبوب منع الحمل» contraceptivesالتي لم تكن متوفرة لأمهاتنا وجداتنا بحسب الدعاية؛ وبالتالي كانت حياتهم صعبة، ولم تكن أحلى كما تروج حملة «حياتي أحلى»، وشعارها العلني لتنظيم الأسرة والمباعدة بين الأحمال، الا أنها في مضمونها لا تختلف عن الحملات التي تنتشر في كل أرجاء الوطن العربي لتحديد النسل.
وحتى الدعايات التلفزيونية للحملة التي انتشرت مؤخرا في غاية الخطورة، فهي تهدف الى تربية المجتمع على قبول الفكرة منذ الصغر، فهي على لسان طفلة صغيرة تصف والدتها بشكل طريف، والتغيرات التي تطرأ عليها في فترات الحمل وكيف أنها تكون سريعة مرات وبطيئة أخرى، وضعيفة مرات وسمينة أخرى ودائما مشغولة! ومن كثرة تكرار الدعاية على لسان الطفلة على التلفاز في كل أوقات البث صباحا وظهرا ومساء أصبح الأطفال يحفظونها وهي بمعانيها ورسالاتها تدخل الى اللاوعي، بحيث تصبح مقبولة تماما ونمط حياة سائدا ومنتشرا!
سنحاول طرح نظرية المؤامرة جانبا، ونحاول التغاضي عن الشركاء الغربيين لهذه الحملة وأجنداتهم وشروط المساعدات والهبات والقروض، ونحاول التعاطي بحسن نية مع هذه الحملات، والادعاء لبرهة أنها تهدف الى التركيز على نوعية الإنجاب والتربية وتوفير حياة أفضل للأسرة في ظل المعطيات الاقتصادية المتعثرة، مع أن هذا الطرح قد يكون من السذاجة في ظل معرفتنا بالسياقات التاريخية لمثل هذه الأفكار والابعاد السياسية والديمغرافية لمشاريع الحد من النسل والمسؤول عن استيراد أفكارها الى الوطن العربي في الوقت الذي ما زالت الكنيسة الكاثوليكية على سبيل المثال تحرم حبوب منع الحمل وتجرم من يبيعها!
إنه من السذاجة بمكان أن نتعاطى مع ما يسمى مشاريع تنظيم الأسرة بعباطة في الوقت الذي يقوم فيه العدو الصهيوني بمشاريع لتشجيع الإنجاب، يوفر فيها حوافز وتسهيلات مادية غير مسبوقة تشجع الذي لا يريد أن ينجب لينجب، ولو من باب الإثراء الاقتصادي.
«اسرائيل» التي تقدم نفسها للعالم كواحة الديمقراطية والتقدم والحضارة في الشرق الأوسط لا تخجل من أن تشجع مواطنيها صراحة على الإنجاب بأرقام تزيد على الخمسة أطفال في الوقت الذي أصبحنا ننظر لمثل هذه الأرقام كمستحيل من ناحية اقتصادية، وكأننا نرزق أنفسنا شربة ماء أو لقمة خبز! وكدلالة على التخلف وأن نساءنا كالأرانب لا شغل لديهن سوى الإنجاب!
فلماذا لم تنتشر هذه الروح السلبية عند الصهاينة الذين ينظرون الى تكثير عددهم كسلاح أساسي في معركة المكان والديمغرافيا وتثبيت الحقوق؟!
وفي الوقت الذي نحاول في أن نربي المجتمع بداية من الأطفال في دعايات تحديد النسل، ينشر جيش حرس الحدود الاسرائيلي صورة للدعاية له يظهر فيها بطن امرأة حامل في شهرها التاسع، وقد رسم عليه صورة لطفل رضيع يتدثر بلحاف يحمل شعار حرس الحدود، وتحته عبارة: «مقاتل جديد في الطريق»
رابط الصورة http://mondoweiss.net/2012/11/how-israelis-imagine-their-future.html
والصورة حية لدرجة تستفز المشاعر وهي تصور جميع أطراف المجتمع كشركاء في مشروع الوطن، فالأم عندهم تحمل وتلد وتربي لأجل «اسرائيل»، والجندي عندما يحارب فإنه يحارب عن الأمومة والطفولة والمستقبل وهم يستفزون في الجنود غريزة الرجولة والحماية في توفير الأمن للفئات المستضعفة، وأما ذلك الجنين في الرحم أو الطفل في المهد فسيتربى على ما أظهرته الصور التي تسربت سابقا عن الجنود الاسرائيليين وهم يلبسون ملابس كتب عليها born to killمولود ليقتل! فعن أي تسامح وتعايش وسلام نتحدث! وهذه المعاني الإجرامية المتطرفة والعنصرية هي التي يتربى عليها الشعب، وهو ما زال جنينا في أرحام الأمهات؟! ولماذا تقوم الدنيا اذا صورنا أطفالنا بالعصابة الخضراء على رؤوسهم، وتكون التهم جاهزة بالإرهاب، ويعمى العالم عن مثل هذه الصور والممارسات على الطرف الاسرائيلي؟!
وفي مقابل حملاتنا لتحديد النسل يطلق العدو حملات «اسرائيل حق بالولادة» birthright Israelوهي حملة تهدف إلى اعادة الشباب اليهودي حول العالم لزيارة ما يدعون أنه بلدهم، وتذكيرهم أن أرض «اسرائيل» حق لهم دينا وتاريخا،
هذه مخططاتهم ومشاريعهم، فأين مخططاتنا وحملاتنا! وأي الفريقين أحق بالنصر على هذه الحالة إن كنا صادقين مع أنفسنا، أم الله سبحانه سينصرنا فقط بالدعاء وحسن النوايا؟!
لن أذهب بعيدا في استحضار أمثلة نظرية، ولكني رأيت جدتاي الأولى أنجبت تسعة والثانية ثمانية غير الذين سبقوهما الى الجنة بإذن الله سقطا، لم تعرفا حبوبا من أي نوع، وعانيتا الكثير من وجع الرأس، ولكنهما أخذتا الكثير من الأجور، ولكم رأيت عند كبرهما دموع الرضى في عينيهما على الأولاد والبنات الذين حصلوا أعلى الدرجات العلمية والعملية على ضيق ذات اليد في زمنهم، وخدموا أوطانهم في مجالاتهم، وأزعم أن أمهات اليوم بالواحد والاثنين والثلاثة لسن أكثر سعادة ولا رضى ولا انجازا!
الإنجاب والأطفال رزق ونعمة وهدف وفكرة ومشروع ومستقبل فقط لمن أدرك الخطر القادم، والتحدي العظيم الذي ينتظر الأمة لو أعدت له حق الإعداد، ومن أغلق بالباب بقصد وتنكر وكفر بالنعمة فقد حرم نفسه ووطنه الخير.
لا نريد دعاية «حياتي أحلى»، ولا الأمهات اللواتي يسوقن لها، نريد أمهات يجلسن بجانب المهد ويغنين لأطفالهن:
نم يا صغيري إن هذا المهد يحرسه الرجـــاء
من مقلة سهرت لآلام تثور مع المســــاء
فأصوغها لحناً مقاطعه تَأَجَّج بالدمـــاء
أشدو بأغنيتي الحزينة ثم يغلبني البكـــاء
وأمد كفي للسماء لأستحث خطى السمـــاء
فلئــن حييت فسـوف أســرده عليــك
أو مت فانظـر من يُسـِرُّبه إليـــك
فإذا عرفت جريمـة الجاني وما اقترفت يـــداه
فانثر على قبري وقبر أبيك شيئـاً من دمـــاه
لا تصغي يا ولــــدي إلى ما لفقــوه ورددوه
من أنهم قاموا إلى الوطن السليب فحـرروه
لو كان حقاً ذاك ما جارواعليه وكبلــــوه
ولما رموا بالحر في كهف العــــــذاب ليقتلــوه
ولما مشوا بالحق في وجه السلاح ليخرســوه
بهذا فقط يعود التاريخ المجيد، ليصبح حاضرا ومستقبلا زاهرا.
