في غمرة انشغالاتنا بنقل والحديث عن معاناة الأسرى المعذبين في سجون الاحتلال الصهيوني، قطعت العديد من وسائل الإعلام بثها وحولته لحدث أكبر، فاستشهاد الأسير عرفات جرادات في سجون الاحتلال تحت التعذيب بعد أيام على اعتقاله حادثة كبيرة بحاجة للوقوف أمامها بكل جرأة ومسئولية. الحدث تأكيدا تلقاه اثنان من الأطراف بغضب شديد: أحدهما الاحتلال الصهيوني الذي يخشى من انتقام فلسطيني من الجريمة يؤدي لإشعال فتيل انتفاضة ثالثة يكون عنوانها الأسرى، فخسارته ستكون إعلامية أمام الرأي العام محليا أو دوليا، كما ستكون سياسية وأمنية. أما الطرف الثاني فهي السلطة الفلسطينية في رام الله، فهي على وجه من اثنين: إما ترك الجماهير تغضب، وبالتالي تخطئ- بحسبها- كما أخطأ الزعيم ياسر عرفات حينما تغاضى عن أحداث انتفاضة الأقصى فبدأت بحجر وتحولت لعمليات استشهادية ضد الاحتلال وأفلتت من قواته الأمنية المقدرة على فرض التسوية التي تريدها. وعلى الوجه الآخر فإن منعت الأجهزة الأمنية التظاهرات كما يجري بعد استشهاد “جرادات” فستفقد أبناء شعبها وستعزز ما يتردد من أمنها للاحتلال في مواجهة أبناء شعبها.
الأسير عرفات
ليس هذا محط حديثي لوضع النقاط على الحروف، غير أني أسأل سؤالا منطقيا: ماذا بعد استشهاد عرفات؟ ما هي الخطوات التي سنقوم بها على المستويات الرسمية والشعبية لنُصرة الأسرى؟ هل سننتفض ثلاث أيام وبعدها ندخل في سبات عميق آخر نستيقظ منه على نبأ استشهاد أسير أو أسرى جدد؟ هل سنقوم بخطط فعلية لتدويل قضية الأسرى؟ أم أن طرح قضيتهم يُرجفُ البعض ويهدد مكتبه وكرسيه؟؟
هذه تساؤلات مطروحة سأحاول الإجابة عنها باستشراف المستقبل الذي بدأت تباشيره تتضح، غير أني سأبدأ بتوضيح بعضا من صور الانفعالات التي رصدناها منذ لحظة الإعلان عن ارتقاء الأسير جرادات وحتى اللحظة.
بمجرد إعلان نبأ الاستشهاد، خرجت تظاهرات في غزة والضفة المحتلة، البعض منها استغله البعض للظهور أمام شاشات التلفزة بعدما مرت عليه أيام دون أن ينال فرصة للإطلال على الجمهور الذي لفظه منذ زمن، والبعض الآخر كان غاضبا بالفعل لكنه قليل مقارنة بمعاناة الأسرى، وفي الضفة الغربية تحركت دماء الجماهير شعبيا بالتأكيد في بعض المناطق فرشقت قوات العدو بالحجارة وأفلتت من أيدي عناصر أمن السلطة الذين انتشروا بأعداد فاقت أعداد قوات الاحتلال للحيلولة بالقوة دون وصول شبان الحجارة إلى حواجز الاحتلال، فمهمة تلك الأجهزة معروفة ولا مجال لتكرار الحديث عنها، فالجميع شاهد الصور التي تناقلتها الفضائيات لملاحقة أمن الضفة للمتظاهرين الغاضبين!!.
الأمر المُخجل هذه المرة هو طبيعة الرد الذي سلكته –السلطة الفلسطينية- وحركة “فتح” على الجريمة، بل وتبريره من قبل البعض الذي بات يعتقد أن الخيانة والتعاون مع العدو المحتل ضد أبناء الشعب إنما هو منهج وخيار أكثر منه وجهة نظر، ويمكن إجمال تلك المواقف- التي برزت حتى الآن- فيما يلي:
- بعد اشتعال المواجهات في الضفة الغربية بين قوات الاحتلال الإسرائيلي والعشرات من الفلسطينيين وفي أعقاب وفاة الأسير الفلسطيني عرفات جرادات في سجن مجدو، ذكرت صحيفة “هآرتس” الأحد 24-2-2013م أن رئيس وزراء العدو الصهيوني “بنيامين نتنياهو” قد أوفد المحامي المفاوض “إسحاق مولخو”، محملاً إياه رسالة للقيادة الفلسطينية في رام الله، يطلب فيها وقف المواجهات الميدانية في الضفة الغربية، في محاولة إسرائيلية لتجنب اندلاع انتفاضة ثالثة. هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ وإنما بعدما أكدت مصادر صهيونية أن “نتنياهو” قرر بعد ظهر الأحد الإفراج عن أموال ضرائب السلطة الفلسطينية عن شهر يناير الماضي مقابل تحمل الأخيرة مسئوليتها في إنهاء التصعيد الذي تشهده مناطق الضفة الغربية خلال اليومين الأخيرين.
- عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” نبيل شعث يقول في تصريحات لصحيفة “معاريف” العبرية في عددها الصادر يوم الأحد: “إن الاحتجاجات الجارية في الضفة الغربية المحتلة غضبا على استشهاد الأسير عرفات جرادات هي ضد خط السلطة الفلسطينية. إنه لا يوجد أي مخطط لانتفاضة ثالثة، وإن المظاهرات العنيفة هي ضد الخط الذي تقوده السلطة”. وأنا أسأل “شعث” أي سلطة تقصد؟؟ هل السلطة تعني “فتح” كالعادة؟ أو أنها تشمل كل الفصائل؟ فإن كانت السلطة تشتمل كل الفصائل الفلسطينية- وهكذا هو الأمر الطبيعي- فلا يجوز لك الحديث باسم كل السلطة، وإنما الحديث يكون في هذه الحالة باسم الحركة التي تُعتبر أنت أحد قادتها.
- نقلت الإذاعة العبرية العامة عن عضو مركزية “فتح” جبريل الرجوب قوله: “إن اليمين في (إسرائيل) لن يجر الفلسطينيين إلى سفك الدماء. إن متطرفين من الطرفين يضعان جدول أعمال يقوم على الكراهية والقتل، كما أن الفلسطينيين لن يبادروا إلى انتفاضة ثالثة”، بدوري أسأل من هو المتطرف من الجانب الفلسطيني؟ هل هم من استقبلك باسمهم في غزة رئيس الحكومة إسماعيل هنية وأنت الذي سلمت خلية كاملة أرهقت الاحتلال بعملياتها في مدن الضفة؟؟ أم أن المتطرفين هم الذين حموك في مهرجان انطلاقة حركة “فتح” من أبناء حركتك الذين لاحقوك وهددوك وكادوا يفتكوا بك قبل الهروب من غزة بحماية من أمن المتطرفين؟؟.
- أحد كبار مسؤولي أسرى حركة “فتح” في سجون الاحتلال الصهيوني وللأسف قال للقناة العبرية الثانية في تصريحات نشرتها القناة يوم الاثنين: “إن أسرى فتح ضد الانتفاضة ونحن لا ندعو للانتفاضة ونحن ضد خطف الجنود”. ونشرت القناة مقتطفات من تصريح القيادي الفتحاوي لمراسلها “اوهاد بن حمو”، دون نشر اسمه بناء على طلبه. وأنا أسأل هذا القيادي أليس ما تسميه “خطف” الجنود- مع اعتراضي على اللفظ- هو الذي حرر المئات من أبناء “فتح”؟ ثم إذا لم تحرروا الأسرى بالخطف، فبماذا يكون تحرريهم هل بمفاوضات تسعون لاستمرارها عشرين سنة أخرى؟.
- ترأس رئيس السلطة محمود عباس مساء الاثنين في مقر الرئاسة بمدينة رام الله اجتماعا لقادة الأجهزة الأمنية، بحضور أمين عام الرئاسة الطيب عبد الرحيم ووزير داخليته سعيد أبو علي ومساعد القائد العام لقوى الأمن اللواء الحاج إسماعيل جبر- بالطبع الاجتماع جاء بعد ساعات على زيارة موفد نتنياهو لعباس-. استمع “عباس” لشرح من قادة الأمن حول الأوضاع الأمنية في الأرض الفلسطينية والجهود المبذولة لضمان ما أسماه بـ( أمن شعبنا الفلسطيني). والأهم أنه اتخذت في الاجتماع عدة قرارات وإجراءات لحفظ الأمن في الأرض الفلسطينية. وأنا أسأل هل من هذه الإجراءات اعتقال خمسة أسرى محررين واستدعاء ثلاثة عشر آخرين الليلة الماضية؟؟.
- أخيرا، وبعد ساعات على اجتماع “عباس” بقادة أمنه، حذر الناطق بلسان تلك الأجهزة اللواء عدنان الضميري من تداعيات استمرار موجه ما وصفها بـ” العنف” الأخيرة في الضفة الغربية متهما حركة “حماس” بالسعي إلى إحداث الفوضى في الأراضي الفلسطينية، وقال الضميري في حديث لإذاعة صوت فلسطين صباح اليوم الثلاثاء: “إن موقف القيادة الفلسطينية هو عدم السماح بجر الشعب الفلسطيني إلى مربع العنف الإسرائيلي وتجنب المواجهة المسلحة مع القوات الإسرائيلية”. وأنا أقول: إن كان المقصود بالعنف الذي تقوده وتخطط له “حماس” هو العمل على تحرير الأسرى ووقف معاناتهم كما حدث في صفقة “وفاء الأحرار” ومبادلة الجندي الصهيوني الأسير “جلعاد شاليط” بمئات الأسرى الفلسطينيين، فطوبى لتلك الحركة وألف تحية لها ولرجالها.
أخيرا، فإن مسألة استشهاد الأسير “جرادات” ورغم الزخم الذي أحدثته إيجابا أو سلبا، إلا أن من يتفاعل حقيقة مع الأسرى ليس بحاجة لأن يُصرح وإنما ممارسته على الأرض تدل عليه، ومن يعمل سلبا لقضية الأسرى فتصريحاته لن تمسح العار الذي يعتلي جبهته حتى وإن جملها باستمرار وعبر مختلف الفضائيات، لكن ومن موقع متابعتي فإن قضية الأسرى والأسير جرادات بحاجة إلى جلسات هادئة يتم من خلالها التخطيط لما بعد استشهاده، فلا ينبغي أن تخمد فعالياتنا بعد أيام، بل ينبغي أن نبتكر أساليب تُبقي قضية أسرانا حاضرة فلسطينيا وعربيا ودوليا، ومن يقف ضد مصلحة أسرانا فلنقم بمواجهته حتى وإن لم نمتلك حينها إلا النعال..


