1- مدخل
تكلمت في ثلاث حلقات سابقة عن الثورة العراقية، أو ثورة يناير العراقية كما أسميتها. وبينت أن من أهم أسباب الثورة: الاستحواذ الشيعي، بدعوى الديمقراطية الطائفية التي فصلتها أمريكا على مقاس شيعة العراق. والظلم الساحق الواقع على أهل السنة في العراق. وتسييس القضاء، بحيث يتدخل أهل السياسة في كل قضية وكل حكم، وقضية الهاشمي نموذجاً.
وأنه بدعوى الديمقراطية إياها جرى تهميش أهل السنة، ثم العدوان على المتظاهرين وإيقاع شهداء من بينهم، زاد الثورة اشتعالاً. وسؤال لهؤلاء: أولم يكن من مبررات عمالتكم لأمريكا والتآمر معها للإطاحة بصدام، أنه كان يقمع المظاهرات الشيعية، ووالله ما بلغ عشر معشاركم في الدموية والعنف والتصفيات وسوء القضاء؟!
ومن أهم أسباب الثورة القانون السيئ الصيت والسمعة والذكر؛ أعني القانون الذي فرضته أمريكا على كل بلد عربي، فصار كل نظام ينتقم ممن يشاء بهذا القانون، ولأنه يخدم أمريكا، فإنها كانت تتواطأ وتتغاضى وتتعامى وتغض الطرف وتدير وجهها الكالح القبيح عن مخازي أحلافها وأحلاسها.
ومن أسباب الثورة تصفية علماء السنة وضباط السنة بدعوى تصفية البعث، وقلت إن 70% من قيادات البعث في العراق كانت من الشيعة، فلم لم يصف منهم ولا عنصر واحد؟ فكل هذه أغطية لممارسات طائفية بغيضة كريهة، وتكلمت عن الفساد وسرقة المليارات على يد «بريمر» وحكومة المنطقة الخضراء العميلة المعممة المعماة عيونها إن شاء الله، ولعل أوضح فساد كان في صفقة السلاح الروسي التي لفلفت القضية وطويت صفحاتها وألغيت الصفقة من نتن الريح التي خرجت منها، وزعم المالكي أو الهالكي أنه لم يكن ثم فساد، وهذا بحد ذاته أفسد الفساد، فلم ألغيت الصفقة يا نوري؟
وأسوأ ما في الأمر أو لعله من أسوأ ما في الأمر أن تتهم الثورة المباركة العظيمة المعبرة عن نبض الشعب العراقي كله لا عن أهل السنة فحسب أن تتهم بالطائفية، يقصدون سنيتها. علماً أن أهل السنة بفضل الله لا تعصباً هم الواسعون الذين لا يتعصبون ولا يتمذهبون ولا يضيقون بالطوائف الأخرى، ولا يتطيفون.
2- موقف إيران
إيران تدير العراق لا بشكل خلفي أو خفي، ولكن بشكل علني ومن الواجهة، وهي تدير معركة مواجهة المحتجين وتتدخل في الصغيرة والكبيرة. وإيران تدير مظاهرات البحرين، وفق خطة مدروسة متدرجة، وستر الله من عواقبها، وهي تدير دولة لبنان من خلال أمل وحزب الله، وتحرك الشيعة في المنطقة الشرقية ولا ندري متى يتفجر برميل البارود. وتدير الحوثيين المجرمين المعتصمين بشعف الجبال، والموانئ تسرب لهم حمولات بواخر من الأسلحة، وقد هددوا وحدة اليمن، بل وجوده وأزهقوا من الأرواح آلافاً وماذا يريدون؟ هل يعلم أحد إلى أين ينتهون؟ أينتهي البلد قبلاً أم هم منتهون، من يعلم؟ وهم يديرون سوريا من خلال نظام الأسد، وهم السياسيون والاستخبارات والخبراء والقناصون والممولون وهم الشبيحة. وأما في أفريقيا كلها وفي السودان فحضورها ظاهر واضح. وهي تعرض حل مشكلات مصر التمويلية، وسداد ديون الأردن، وهي لا تعطي لوجه الله، إن أعطت، بل تريد أن تكون لها الكبرياء في الأرض، والسؤال الأهم من كل الشرح: لماذا كل دولنا العربية مصابة بالكساح، والدول المتمولة إما مالها منهوب في الأرصدة المجمدة لا لهم ولا لنا، وإما تنفق في تدمير بلد عظيم كمصر؟ لماذا لا سياسة ولا مقترحات؟
إيران تسابق الزمن لامتلاك قنبلتها الذرية لأثرها النفسي والمعنوي أولاً، ولتصبح سيدة المنطقة ثانياً، والأدب العربي يمنعنا من الاقتراب من مناطق الكبار! فمرحى للقيادات العربية مرحى!
3- موقف الدول العربية
لا نتكلم عن موقفها المخزي في كل القضايا، لكن نسأل الآن فيما يتعلق بالثورة العراقية، ما هو الموقف؟ هل طرح بلد عربي رأياً أو اقتراحاً أو سياسة أو حلاً أو تسوية؟ لماذا هم يتدخلون في البحرين ولا يتدخل جوار العراق السني إذا ظلم إخوانهم؟
وإذا لم يكن موقف سياسي لانعدام السياسيين أو الرؤى السياسية، فأين إعلامكم؟ هل تمنعكم أمريكا حتى من تبني موقف إعلامي ليظل الأمر مستقراً لعملاء أمريكا من الشيعة في العراق؟ وجامعتكم أو مفرقتكم هل لها كلمة أو قول أو موقف؟ هل لها رأي أو رؤية؟ هل عندها فكرة عما يجري ويدور؟ لماذا يشعر سنة العراق بأنهم أيتام على مآدب اللئام؟ لماذا لا ناصر لهم؟ لماذا ما من أحد يشد من أزرهم أو يسمعهم كلمة حلوة أو كلمة تأييد أو تثبيت؟!
الحياة موقف ومن لا موقف له لا يستحق الحياة! وإن الأنظمة التي تمر أمتها بمئات الظروف الصعبة ثم لا نسمع لها ركزاً لا تستحق الوجود ولا البقاء!
4- مستقبل الثورة في العراق
إن الزخم الشعبي للثورة العراقية يكتسب كل يوم عنفواناً وقوة، وأعداداً تزداد، وكلما استشعر الناس فداحة الظلم زاد التعاطف مع الثورة، ومن المتوقع أن ينضم إلى صفوف الثورة أو المنتفضين كل يوم أناس جدد.
فهل تحقق الثورة أهدافها؟ وما هي هذه الأهداف؟ أعتقد أن الأمر ليس بالهين، وقد بدأ الرد من خلال ما قرأنا عنه من إنشاء مليشيات البطاط، وهي تهدد أهل السنة بوضوح، بأنهم تهديد للشيعة، وبأن الثورة ثورة سنية تهدد الوجود الشيعي، ولذا نتوقع أن تتسع حلقة العنف من هذه الجهة.
وهذه المليشيا لا يحتاجها الشيعة؛ لأن الجيش هو بحد ذاته مليشيا شيعية! وكذا أذرع أجهزة الأمن، سوى تنظيمات مقتدى وقوات بدر ومليشيا النوري، وتنظيمات كالفطر لا نعرف جلها ونعرف بعضها، فما الحاجة إلى مليشيا جديدة؟!
إنها مجرد عصا تخويف، أن يا أهل السنة إما أن تنكمشوا وتنهوا مطالبكم، أو التفجيرات والتفخيخات بانتظاركم.
لقد أوجدت أمريكا وضعاً مربكاً معقداً مشكلاً في العراق شأنها شأن بريطانيا، أو فرنسا، إذا خرجت من بلد، استغرق بعد خروجها في حل ما خلفت من مشكلات ربما ستين سنة وأكثر. ألا ترى إلى مشكلة كشمير؟ كم تحتاج من عشرات السنين لحلها؟ فمتى تستقيم الأمور في العراق؟ متى تنحل عقدة يهود في فلسطين؟ إن الاستعمار فنان في إيجاد ألغام تبقى وتدوم لعقود. ومع هذا فإن الثورات بفضل الله لا بد أن تنجز ما بدأته وما قامت من أجله، رغم مؤامرات إحباط الثورات.
وثورة العراق في القلب من هذه الثورات ستنجز ما قامت من أجله، رغم المليشيات والاستحواذ والكيد المالكي والإيراني.
