سنحسن الظن كشعب، مر عليه ستة عشر مجلسا نيابيا سابقا شيبنا، وأفقرنا وباعنا بثمن بخس تمثل أخيرا في جوازات دبلوماسية ورواتب تقاعدية مدى الحياة، بأن في البلد إرادة سياسية كما يقال للاصلاح عن طريق العملية السياسية المتدرجة التي تصل بالنهاية، بسقف زمني مفتوح، الى دولة ديمقراطية الشعب فيها مصدر السلطات والمحاسبة والشفافية هي أساس التعاملات على كافة المستويات.
فهل افتقدنا التوجيهات السامية في أي مرحلة من التاريخ السياسي للأردن؟! أليس جزءا من البروتوكول السياسي صدور كتب التكليف للحكومات التي ترسم لها خارطة الطريق للمطلوب إنجازه في ولايتها؟! فماذا تفعل الحكومات لتطبيق المثل العليا والشعارات الكبرى ودعم السقوف المرتفعة التي تحتويها الخطابات التي يتطلع إليها المواطنون علها تتحقق في يوم ما؟! وهل تعصي وتشوه الحكومات الخطابات والتوجيهات السامية عن قصد بأدائها القاصر والبعيد كل البعد عن معايير الإصلاح، وتأخذ الضوء في ذلك من جهات بينية تحول بين النظام وشعبه؟! لماذا دخلت بنا حكومة إجراء الانتخابات بقانون لا إجماع ولا توافق عليه، ولم يأت بالجديد في إفرازاته النيابية وكانت الطفرة الوحيدة الجديدة فيه هي اصطناع معارضة إسلامية تحت عباءة الحكومة لتستبدل المعارضة الاسلامية وحزب جبهة العمل الاسلامي الذي كان من قيادات الحراك الاصلاحي الذي وصل مع الحكومة الى خط مسدود مما جعلها تخطط لإدخال تيار إسلامي يتوافق مع سياساتها كانت قد أوجدته وحاولت التمكين له خلال السنوات الماضية.
حتى النواب أنفسهم اعترفوا بوجود التزوير وكأنه أصبح لازمة لا فكاك منها في الانتخابات الأردنية، ومنهم أو منهن من طنطن بذلك علنا ثم يعود أو تعود لاستلام المنصب في المجلس المُزوَّر والمُزوِر، ومنهم من يمارس الحرد السياسي بإعلان الاستقالة، فحصته من الكعكة هذه المرة كانت أقل من التوقعات والتفاهمات والصفقات المبرمة تحت الطاولة.
ويدعو بعض البراغماتيين السياسيين الى قبول ما حصل لعدم امكانية التراجع عنه والاستفادة من القلة القليلة من أصحاب المبادئ في المجلس لدعم الحراك الإصلاحي! وهذه ليست براغماتية بقدر ما هي سذاجة سياسية، فالنواب المنتخبون ليسوا بكرا، فكلهم حصل مقعده بناء على حسابات واعتبارات وأجندات لن يستطيعوا أن يحيدوا عنها ليكون لهم خيار حر ورشيد يصب في مصلحة الشعب فمعظهم مربوط من اليد التي توجعه.
ونستعير من الشاعر:
ومكلف النواب ضد طباعهم متطلب في الماء جذوة نار
مجلس بني على تزوير ورُكّب فوق شعب يريد الإصلاح لن يقدم قوانينا من شأنها أن تصلح حال الوطن والمواطن، لأن حصول ذلك بالضرورة يعني سقوطهم من مناصبهم.
ستحاول الحكومة تزويق أداء هذا المجلس النيابي لفترة ومحاولة تفعيل أدائه التشريعي والرقابي ضمن الحدود المقبولة والمرسومة حتى تبين نجاحها في رهانها على امكانية التغيير من خلال الصناديق بقانون انتخابي مشوه!
الا أن المجلس، كما عودنا سابقوه، سيكشف سواءته بالجهد الذاتي لاعضائه وأدائهم الركيك الذي حول النائب صاحب السلطة والتمثيل الشعبي الى وسيط وسمسار تحصيل خدمات تضمن له شخصيا عودة مستمرة تحت القبة.
الدور الباقي على الحراك الإصلاحي بعدم ترك الساحة تعاني من فراغ شعبي ورقابي، ليتصرف المجلس المفصل على مقاس الحكومة وعلى هواه، بمتابعة الحراك على أشده وتقديم البرامج والبدائل والاستمرار في التوعية الشعبية وتقديم الإعلام البديل عن الإعلام الحكومي ومتابعة الأداء النيابي متابعة حثيثة وعدم السماح بتمرير الملفات الخطيرة على مستقبل الأردن داخليا وخارجيا والمنطقة والقضية الفلسطينية التي يقال أن هذا المجلس جاء ليمررها.
الإصلاح بحاجة الى أكثر من حسن النوايا والتوجيهات وكما الماشطة لا تفعل شيئا في الوجه العكر كذلك التوجيهات السامية لن تصلح مجلسا جاء بالتزوير.
وكما قيل المدماك المغصوب في ركن البيت رهن بخرابه كذلك الصوت المغصوب والمشترى والمبيع ستظهر آثاره في مجلس النواب بقصم عمره قبل اكتماله، هكذا علمتنا الشرائع السماوية والإنسانية أن ما بني على باطل فهو باطل والباطل لا يعمر.


