الحمد لله انفض السامر و'خلصنا' من أنابوليس. لم يعد من الضروري تجرع المزيد من رؤية 'نبيل عمرو' وهو يشرح لنا أهمية الانجاز التاريخي في انتهاء المفاوضات الممهدة للشروع في المفاوضات! وكيف أن المفاوضات الجدية بين الصهاينة وفتح ستبدأ أخيرا؛ الأمر الذي يسم تلقائيا كل ما سبق من عناق وقبل واجتماعات بين فتح وبين الصهاينة على مستوى القمة (وعلى مستوى 'القاعدة' أيضا ومع الاعتذار من 'بهجت الأباصيري') يسمها بأنها كانت مفاوضات غير جدية وأي كلام و'لعب ولاد صغار'. على أية حال لا بأس؛ فنحن نشكر لله كل ما من شأنه العودة بمعدلات رؤية 'بلبل' على الشاشة للحدود التي حددتها معايير 'الآيزو' فيما يخص التعرض لمسببات الغثيان والقرف!
وعلى سيرة القرف؛ وبما أن الشيء بالشيء يذكر؛ فلعل انتهاء المؤتمر يكون أيضا سببا في عودة ظهور 'جمال نزال' على الشاشة للمعدلات المقبولة حسب تصنيفات منظمات مكافحة الأمية والسمية والكذب! إذ لا يعقل أن تحجز إشارات البث عبر القمر الاصطناعي للاستماع إلى عبد عبد السيد وهو يشيد بالعبد سيده؛ ويصفه بالعظمة؛ وفي عدوان همجي وسافر على اللغة وعلى المنطق. فالذي يساق لأنابوليس بعَظْمة لا يصح أن يوصف بالعَظَمة! والذي قبل تخفيض سقف التوقعات من 'الاتفاق على قضايا الحل النهائي'؛ إلى الاتفاق على 'جدول أعمال مفاوضات الحل النهائي'؛ وصولا للاتفاق على مضغ الهواء ولوك الفضاء - من قبل كل هذا فهو عميل مفلس لا يملك ولا حتى اتساع الهامش الذي تمتع به لحد وقرضاي وعلاوي وغيرهم من أعيان العملاء الذين يمشي قادة فتح على خطاهم حذو النعل بالنعل؛ أو 'الكندرة بالكندرة'!
إن دفاع جمال نزال عن القومية العربية ضد محاوره الشيعي في برنامج الاتجاه المعاكس - دفاعه هذا وهو الذي ينتمي لجماعة تشكل رأس حربة التوغل العبري والتغول الصهيوني على المنطقة لهو من ابتذال الكلمات. لكن 'جوجو' لم يكن وحده من مارس ابتذال الكلمات مؤخرا؛ فكلهم فعل ذلك. كل من تحدث عن 'اللحظات التاريخية' لأنابوليس كذاب مفتر يستحي مسيلمة من أن يُجعل له مثلا! كيف لم يجد هؤلاء حرجا من الإشادة بجمال اللحظة المقيتة باستخدام نفس العبارات الركيكة ونفس التراكيب الغثة التي رددوها في 'واي ريفر' و'طابا' و'جنيف' و'شرم الشيخ' و'كامب ديفيد' وباقي مجالس التكاذب باسم السلام لمحاربة الإرهاب الفلسطيني؟
لكنني أجدد لله الحمد والشكر على انتهاء أعمال المؤتمر؛ فنحن لن نضطر بعد الآن لسماع ملخصات أخبار تنقل إشادة المنافق عباس بذكاء وفطنة القيادة الأمريكية لدى اختيارها مكان مؤتمر الخونة الضعفاء عند سادتهم المأزومين! لا أعرف لماذا أعجب الرجل بالمكان: هل فعلا قرأ تاريخ أنابوليس أم أن تلك الإشادة كانت من ضمن ما يتم تلقينه له ولبطانته على يد منظمي الحفل؟ وإن كان قد أعجب بالمكان؛ فهلا سأل نفسه عن سر عظمة تاريخ السابع والعشرين من نوفمبر يوم انعقاد المؤتمر؟ هل سأل نفسه إن كان في ذلك أيضا عظمة؛ من قبيل أنه يوافق للصدفة المحضة تاريخ إعلان أكبر حرب شنت على فلسطين والمشرق العربي في التاريخ المكتوب كله؟ نعم أيها القارئ الكريم؛ ففي ٢٧-١١-١٠٩٥ كان بابا الكاثوليك 'أوربان الثاني' يخطب في 'سينودس' عقد في فرنسا يحض فيه النبلاء ورجال الدين على تخليص القدس من حكمة 'الكفرة' - يقصد المسلمين بطبيعة الحال - ويطلق ما عرف لاحقا بالحملة الصليبية الأولى! فهل انتبهت طواقم الإعلاميين والعلاقات العامة في بطانة الباب 'الواطي' في رام الله الى هذا التطابق التاريخي المحمود؟ وهل فهموا المغزى؟ أشك في أن ذلك يعنيهم. فهؤلاء لا يملكون أية نية لاسترجاع القدس ولا حتى 'أبو ديس'. وليس جديدا عليهم أن يتصرفوا مثل الطحالب التي لا جذور لها؛ فهم لا صلة لهم بفلسطين الجغرافيا والتاريخ. ألم يقل الراحل 'إدوارد سعيد' أن أحد المفاوضين الفلسطينيين سأله في حديث جانبي ما إن كانت مدينة صفد تقع على ساحل البحر أم لا؟!
انتهى أنابوليس ميتا كما ولد أشل أعرج كسيحا لا يلوي على شيء! حكومة العدو عقدت اليوم اجتماعا شرحت فيه أهم منجزات المؤتمر؛ وجاء على رأس أهمها أن 'إسرائيل' لم تضطر لمناقشة قضايا الحل النهائي - معكوس هذه العبارة يسوقه رجال عباس على أنه أكبر منجزاتهم هناك! - وأن 'إسرائيل' ستراقب قمع السلطة للإرهاب وحسب. بل وصل الأمر 'بإسرائيل' أن أقنعت أمريكا بسحب مشروع بيان يصدره مجلس الأمن يثني فيه على مقررات أنابوليس؛ وذلك ليمنع الكيان تسرب أي شائبة من رعاية دولية للمتهافت القليل الذي أقره أنابوليس بخصوص إطلاق المفاوضات...فلم يبق من الجنازة الحارة قليل ولا كثير! وحين رفع هذا الكلام لمحمود عباس في مؤتمر صحافي قال بكل جرأة أنه لا علم له بمشروع قرار أمريكي؛ وأن العرب ردوا مشروعا ما في مجلس الأمن؛ هكذا بكل صفاقة! وعليه بما أن السيد الرئيس 'العظيم' لم يعلم فالحادثة إذا لم تقع. هل من شك في أن هذا المنطق القوي قابل للتسويق في كوكب القردة ويمكن بيعه على مرجعيات أوسلو وقواعدها؟
هذا التقزيم لأنابوليس لا يفضح إعلام سلطة فتح وسياسييها وحسب؛ بل يفضح عرب شهادة الزور الذين حجوا لأنابوليس - لا استثني منهم أحدا - ويكشف حجم تهافت دورهم وقدرهم. هم ذهبوا هناك قابلين الدنية في أنفسهم؛ فلا هم استدعوا هناك شركاء في القرار؛ ولا هم قروا في بيوتهم يرفضون 'البصم' على شهية فتح المفتوحة للتفريط والخضوع وبيع فلسطين لمرة جديدة. هذا الإجماع العربي المريب - كما قال المفكر عزمي بشارة - كان يجب أن يكون إجماعا على الصمود ودعم الوطنيين في فلسطين. فإن حالت الظروف بين خلف جلد الأجرب وبين هذا الدور الطليعي فلا أقل من أن يسكتوا بدلا من التجند لتوفير مظلة قومية للحديي فلسطين. هل يلام الفلسطيني بعد هذا الدور القزمي للأمة - في شقها الرسمي - لو كره الأنظمة العربية وجامعة التواطؤ العربي؟ هل نلام لو غنينا جميعا 'أنا بكره عمرو موسى'؟
هذه صورة الموقف العربي الرسمي والفتحوي بعد أنابوليس؛ ويبقى ما يجب على حماس فعله ما بعد بعد أنابوليس. حماس في غزة يجب أن تشرب كأسا جديدة من حليب السباع وتضع حدا لهذه المهزلة وتقلب صفحة مرحلة العجز العربي؛ وتعلم العرب الرسميين وعملاء رام الله أن للعالم الحر عاصمة في غزة؛ وأن الفلسطينيين قرروا أن حكومتهم الشرعية وقرارهم الوطني الحر المتمسك بالثوابت ألصق بالأرض من كل زبدها و'زبيديها' (هذا 'الفرفور' قال في حديث للقناة الصهيونية الثانية أنه لو سمحت له 'إسرائيل' بالوصول فسيكون على رأس الحملة المهاجمة لحماس هناك...والكاتب يأسف لأن حلا تكنولوجيا 'للبصق الالكتروني' لم يظهر للاستخدام التجاري بعد!). على حماس أن تُسقط في أيدي الخونة وتنشط في بناء مشروعها المستقل كممثل لكل الفلسطينيين الوطنيين؛ ودون انتظار تجاوب محمود عباس وحركة فتح؛ ودون انتظار عودة اللحمة والوحدة مع الخونة؛ فلا محل للتوحد والتآلف من جديد مع عملاء قارعة الطريق.
على حماس أن تمضي في مشروع بناء مؤسسة الدولة الكاملة في غزة وعدم الاستمرار في منح عباس وفتح الشعور بأنهم مهمون في معادلة استمرار حماس وفلسطين. يجب أن نقيم مؤسسة جديدة تجب كل السلطات القديمة للنظام القديم تشريعيا وحكوميا وقضائيا ويجب أن نقيم بناء متكاملا يؤطر المقاومة في جيش وشرطة وأجهزة تتقاسم الدور الوظيفي من حراسة الحدود إلى حراسة الأمن الداخلي؛ ويجب أن يبدأ عهد جديد ينظم شأن غزة كثغر لأحرار فلسطين يكون بمثابة بيتهم ودارهم؛ ولا يعبأ بكل انفلات فتح والعملاء في الضفة أخلاقيا وسياسيا وأمنيا في التواطؤ مع يهود. لا يمكن بحال أن نبقى تحت رحمة نقابة محامين تتبع رام الله من غزة؛ وتصدر اليوم قرارا بتعطيل عمل المحاكم. سفلة المقاطعة لا يهمهم لو ضاعت الحقوق وضاع القضاء وضاعت كل مقاصد الشريعة في سبيل أن يستأنفوا الإسقاط والتنسيق الأمني في غزة؛ ولذلك يجب أن نأتي نحن بعهد جديد يجب العهد القديم عن آخره على مستوى مؤسسات الحكومة وعلى مستوى مؤسسات المجتمع المدني وفق نظام ديمقراطي ودستوري...نظام دستوري يجتمع فرع الأمة في غزة على صياغته؛ رضي من رضي وغضب من غضب.
ولا يجب في هذا السياق خلط الأفكار بالقدرة على تطبيق هذه الأفكار فوريا ولحظيا. بمعنى آخر لا يجب انتظار أن يكون دخل غزة مماثلا لدخل دبي ليبدأ الإعداد لكل هذه الإجراءات ويبدأ تطبيق الممكن تطبيقه منها. فالتخطيط يجب أن يبدأ فورا؛ والإحلال يجب أن يبدأ تدريجيا وجزئيا لحظة بلحظة؛ ويوما بيوم؛ بحسب القدرة والطاقة المتوفرة في حينه على الإحلال والتبديل.
لقد انتخب الشعب حماسا من أجل الإصلاح والتغيير؛ والظروف في غزة - على قساوتها وصعوبتها - تمنح هذا الفريق من الأمة وهذا الجناح من الحركة الإسلامية فرصة لإقامة مؤسستها الخاصة وتجربتها الخاصة؛ وهي تجربة رغم حاجتها لأسباب دنيوية كثيرة تفتقدها غزة الآن إلا أنها تجربة يقوم عليها تلاميذ حسن البنا وجند محمد صلى الله عليه وسلم من رهبان الليل وفرسان النهار...وهؤلاء يعرفون تماما أن الدعوات الحقة تنتصر بالكثير من الإيمان وبأقل القليل من الدنيا: 'كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين'...


