الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 05:35 ص

مقالات وآراء

«هوناً ما».. الدرس الصعب والمعادلة الأصعب

حجم الخط

 

تُعرف النساء عموما بأنهن اكثر عاطفية من الرجال، وفي مجتمعاتنا العربية تعتبر هذه منقصة أكثر منها صفة ايجابية، او حتى محايدة، هذه مع ادعائنا أننا نُغلب العقل، ونتباهى بذلك في الوقت الذي نعيش ونتصرف فيه بغير عقلانية برضانا، ورضوخنا لأنظمة استبدادية تتحكم فينا من اول رؤوسنا الى أخمص قدمينا في دقيق أمور حياتنا وجليلها.

 

العاطفية او ربما الرحمة بوصف آخر تعتبر شعورا أدنى منزلة لمن يحكمون على الامور بتجرد وسطحية، او بتزويق آخر يعرف بـ»الموضوعية التامة»، او بتوصيف أدق ربما يحمل معنى البرود واللامبالاة التي ذمها الرسول صلى الله عليه وسلم في احد الآباء يوما عندما أخبره ان ليس بينه وبين أبنائه أدنى تواصل او تبادل للمشاعر فقال له: «وماذا افعل لك إن نزع الله الرحمة من قلبك؟!»، إذاً فالعاطفية والرحمة في درجاتها العليا رزق يبثه الله في قلوب بعض عباده، وينزعه من البعض الآخر؛ عقوبة على قسوته.

 

والعاطفية لا ريب خصلة مطلوبة في المرأة فقد جاء في الحديث: «خير نسائكم الودود»، وهي صفة مبالغة من الود تحمل تجليات فوق النمط العام وفوق المتوقع وفوق الحساب، ويكمل الحديث في حسن وصف هذه النوعية من النساء بأن عيونهن لا تكتحل بنوم اذا اضطرب البيت او اختلت العلاقات، إلا أن يستتب الأمن العاطفي والهناء ولو على حساب قلوبهن وحقوقهن، وهذه ممارسات لولاها، ولولا خفض الجناح لما عاشت ولا دامت ولا استقرت معظم البيوت، ولكن من يقدر ما تبذله المرأة من نفسها حباً و كرامة؟!

 

والعاطفية ليست صفة أنثوية، فأرجل الرجال على مر التاريخ حملوا تلك الصفة، فخليل رسول الله، لو كان في الإسلام خلة، ابي بكر وصفته ابنته عائشة بأنه رجل رقيق وكان هذا خلقه العام، ولكنه بشخصيته المتوازنة استطاع ان يسيطر على مشاعره يوم احتاج الإسلام منه موقف الشدة في حروب الردة، وظهر كرجل لا يعرف الفصال في الحق قائلا: «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه».

 

والعطف والعاطفية ليست فوائدها محصورة بين الجنسين في تبادل المشاعر، بل هي بمعاني الرغبة desireوالشغف passion السبب في صناعة الحضارة؛ لأنها دفعت الناس الى بذل المزيد والمديد لإكمال الخطوة الأخيرة في رحلة الألف ميل التي لا ينجزها الا أصحاب الإرادات والبصمات في التاريخ، فماذا كان سيحصل للدنيا لولا العاطفية؟!

 

الجندي اليوناني المصاب الذي ركض مسافة خلدها التاريخ والحاضر وسيخلدها المستقبل والمعروفة بالماراثون، لم يركض ليكون نذير سوء لبلده وقومه في أثينا، بل ركض دون راحة ولا توقف ليصل ويقول لهم كلمة واحدة «لقد فزنا في المعركة»، أعطته العاطفة تجاه الوطن القوة الروحية قبل ان تخر قواه الجسدية ليسقط صريعا بعد ان حمل البشرى لأهله، العاطفة والعاطفة فقط ظلت تضخ فيه شرارة الحياة والعزيمة ليصل الى هدفه، حلاوة الروح هي ايضا ما تجعل المجاهد يغمس نفسه في قلب صفوف العدو، وهو لا يرى سوى نهايتين: النصر او الشهادة.

 

ومن قبله السيدة هاجر فلولا العطف والعاطفية لما كان النسك ولما تفجر ينبوع الرحمة، ولو رضخت لحسابات العقل في واد غير ذي زرع ما به أنيس، ولا حسيس، لما سعت ولا ركضت ولاستسلمت هي ووليدها للموت، ولكن العاطفية منحتها الثقة بأن الله لن يضيعها كما قالت لإبراهيم عليه السلام، فشدت عزمها ولم تتراخ في بذل ما تستطيعه من القوة التي منحها الله للبشر لإكمال تنفيذ القدر، ولكن نملك ان نمارس ذات عاطفية التوكل والثقة مع البشر دون ان نصاب بخيبات الأمل، وكم من البشر اهل للثقة ورواحل يمكن أن نلقي عليها احمالنا لتوصلنا الى بر الأمان؟!

 

انها العاطفية التي تعطي ما يسميه علماء التنمية البشرية الان الدافعية motivation، ففيلكس صاحب القفزة الأشهر كان مرشحا ان يصبح المجنون الميت الذي ذهب «فطيس» سعيا وراء حلم مستحيل ومغامرة غير معروفة العواقب على الرغم من التدريب! ولكنها العاطفية والشغف، حتى لو كان شخصيا بهدف الشهرة، هو ما جعله يبذل فوق المتوقع حتى لو كان في ذلك حتفه!

 

هذه بعض المعاني الإيجابية للعاطفية الا ان لها نتائجها المدمرة على المستوى الإنساني على أصحابها بالذات اذا كانوا في أوساط جافة تستقل بالعاطفة وأصحابها، فتكون العلاقة معهم حب من طرف واحد unreciprocated loveيبذل بها طرف لطرف لا يبالي سواء أكان من أمامه إنسانا أم حجرا، وتظل خيبات الأمل وكسور القلب مستمرة ما لم يتعلم الطرف العاطفي أن يمسك بالعصا من المنتصف ويجعل بينه وبين البشر جميعا شعرة معاوية يشد ويرخي ويبذل ويمسك ويتقدم ويتأخر بحسب الموقف والمعطيات وهذا التوازن العاطفي بين أقصى الإيجاب والحب والاندفاع وأقصى السلب والكراهية والاحجام هو ما وصفه الرسول، إذ قال: «أحبب حبيبك هوناً ما؛ عسى ان يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هوناً ما؛ عسى ان يكون حبيبك يوما ما».

 

هذا «الهون ما» هو الدرس الصعب والمعادلة الصعبة التي قد يقضي بعض الناس حياتهم في محاولة تعلمها وعيشها بين نجاح وإخفاق.

 

هوناً ما لا تمنعك ان تكون عاطفيا ومحبا وشغوفا ورقيقا، ولكنها تعلمك ان تبقي خط الرجعة مفتوحا، وتفتح أمامك خيارات اخرى كي تجنبك الآلام والوجع في حال لم تجر السفن كما تحب وترجو.

 

«هوناً ما» تخبرك ان خير الامور أوسطها دون إفراط ولا تفريط، فالام بغير رحمة لا تكون أماً، ولكنها بغير حزم لا تكون مربية، وصدق الشاعر في وصف الموازنة بالحاجة احيانا الى القسوة العاطفية فقال:

قسا ليزدجروا ومن يكن حازما

فليقس احيانا على من يرحم

 

«هوناً ما» تخفف عمن أرهقتهم العاطفية والبذل دون مقابل، وتقول لهم لا بأس أن تكونوا عاطفيين ولكن رفقا بأنفسكم أولا، و شدوا الأحزمة على قلوبكم؛ كيلا تكونوا اول المتضررين.

«هوناً ما» لأن البشر ليسوا ملائكة وليسوا شياطين، ولا يعقل ان نقبل عليهم في اليسر والدنيا مقبلة ثم ندير اذا أدبرت، ولم يستطيعوا الرد على عواطفنا، وصدق الشاعر إذ مدح من يستطيع ان يحافظ على أصالة خلقه مع تغير الظروف وتغير ردود الفعل فقال:

أولى البرية حقاً آن تراعيه عند

السرور الذي آساك في الحزن

إن الكرام اذا ما ايسروا ذكروا

من كان بالفهم في المنزل الخشن

وبهذا تتجلى العاطفية في خلق سمح آخر هو الوفاء

 

«هوناً ما» درس قيم في بناء الشخصية المتوازنة، وقد يقضي المرء عمرا وما زال يتعلم فصوله.

الراحمون يرحمهم الله، فطيبوا نفسا أيها العاطفيون بهذا الجبر الرباني.