السبت 17 يناير 2026 الساعة 08:50 م

مقالات وآراء

كتيب استخدام وكفالة

حجم الخط

 

«تحفة العروس» كان لسنوات خلت الكتاب الوحيد الذي يعطي المقبلات على الزواج فكرة شرعية عن مفهوم الزواج، كعبادة وآية من آيات الله وحقوق الزوجين، والكتاب الذي كان وحيدا في زمن ما تكاثر حتى أصبح مكتبة عامرة، تفصل في دقائق الخطبة والزواج والعلاقات، وتزيد على منهج الكتاب والسنة ما استحسنه الناس من تصرفات وتجارب الامم الأخرى.

 

وهذه الكتب على ما توفره من معلومات نظرية مفيدة، وتذكير طيب كغيرها من كتب الإرشادات، تظهر أن عملية التعليم والممارسة غاية في السهولة، وتسير على قواعد ثابتة ونتائجها واضحة ومحسومة! والإرشادات العمومية قد تصدق وتنجح في غير مجال النفس الانسانية كالكتب التي تدعي تعليم اللغة في أيام معدودة، أو كتب الطبخ، أو كتيبات استخدام الأجهزة الكهربائية، أما كتب التربية الانسانية والتنمية البشرية فلا تضمن النتائج؛ ذلك أن النفس البشرية متقلبة لا تستقيم على حال، وحتى البشر الطبيعيون يختلفون في أشكال استجابتهم للفرح والحزن والقبض والبسط، فماذا لو عانى الانسان فوق ذلك من اضطرابات نفسية أو ضغوط؟! أي كتاب سيرشد الزوجة او الزوج الى التعامل مع الأنماط السلوكية المختلفة والمستجدة وحالات التقلب الشعوري؟!

 

ماذا لو قدمت الزوجة كل ما نصحها به الحديث: «إذا صلت المرأة فرضها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها ادخلي من أي أبواب الجنة تريدين»، ولم تلق استجابة ولا حمدا ولا شكورا من الطرف المقابل، هل تمضي الحياة في انتظار الجزاء الأخروي فقط، وتقطع الأيام في الصبر والخذلان؟

 

قد تصاب النساء بعد الزواج بخيبات الأمل كثيرا، فجل معرفتهن وتوقعاتهن نظرية من الكتب، وهي مبنية على حياة مثالية يندر وجود أصحابها في أيامنا كالرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، أما الواقع فقد يكون رجلا قاسيا جلفا لا خير فيه لأهله، وإن كان يصلي ويصوم.

 

الكتب إطار نظري، ولكننا كشخوص في التجربة نصلح أن نكون كتبا واقعية وأمثلة حية، فلنا تجاربنا وقصصنا التي تصلح مادة غنية للعلم والتعلم، ومدة الخطوبة مرحلة هامة لقراءة واكتشاف خارطة الطرف الآخر، ويجب أن تُقضى في أكثر من تبادل المشاعر لتؤسس لحياة متينة وتفاهم عميق حتى لا تأتي الصدمة بعد ذلك، وينقلب العسل بصلاً، والقفص الذهبي سجناً بدون سابق إنذار!

 

لقد وعى ذلك أبو الدرداء رضي الله عنه، فأرشد زوجته الى سياسة التعامل بينهما منذ البداية: «إذا غضبتُ استرضيني، وإذا غضبتِ استرضيك وإلا لم نصطحب»، هكذا كانت سياسة تجاوز المشاكل بينهما دون الخوض فيمن أصاب وأخطأ، ومشت على هواه ومشى على هواها، فرغبت فيه ورغب فيها زوجة وزوجا في الدنيا والآخرة كما تذكر السيرة عنهما، وزرعوا التفاهم والانسجام في الدنيا فحصدوا الاستمرارية في الجنة.

 

لقد مارس ابن عباس -حبر الأمة- ذوقاً فوق ما يتربى عليه الرجال، وفوق توقعات المجتمع، وفوق توقعات العادات والتقاليد فكان يقول: «إني أحب أن أتزين لامرأتي كما تتزين لي».

 

لقد تربت فاطمة الزهراء في بيت النبوة، وفي بعض روايات الحديث أنها ممن حقق درجة الكمال من النساء، ولكنها مع ذلك كانت تخاصم سيدنا علي بن أبي طالب، ومرة ترك البيت ونام في المسجد، فجاءه النبي وأصلح بينهما لتستمر علاقة كان فيها بعض البهارات الزوجية كما نعبر بمصطلحاتنا الحديثة، ولكن سمتها العامة كان التوافق الى أبعد الدرجات، وهذه ما مدحه علي في فاطمة فقال:

وبنت محمد سكني وعرسي ** مشوب لحمها بدمي ولحمي

 

لا شيء يهيئنا لما ينتظرنا من حياة تدخل فيها أطراف جديدة لتشاركنا حياتنا، وتصبح جزءا لا يتجزأ منها سواء أكانوا فردا أم زوجة أم زوجا أم عائلة أم طفلا أم صديقا، فنحن نتعلم في تعاملنا معهم كل يوم شيئا جديدا، يضيف ويحسن صفاتنا وأخلاقنا وخبراتنا، فالانسان لا يولد ومعه كتيب ارشادات واستخدام، أو كفالة تحدد ما يحب ويكره، أو كيف يرضى ويغضب، بل تتغير أنماط الشخصية على الدوام ونظل في مرحلة اكتشاف مستمرة، ولكن هناك خطوط عريضة نعرفها عن نفوس البشر، فهم نفحة من روح الله، وشيء من طينة الأرض وثقلها، ونور من الملائكة، ونزغ من الشيطان والتربية والتعامل هو ما يعزز صفة على أخرى،

فإذا كان العلم والقراءة لا تعطينا القدرة على التعامل مع البشر المستجدين في حياتنا، فهل نقفز في الظلام ونجرب في أنفسنا وغيرنا، وندفع من أفكارنا ومشاعرنا ووقتنا؟

 

هناك لا بد من خطوط عريضة قد تهيئ المرء للتعامل مع أي حياة جديدة، زوجية كانت أو أبوية أو صداقة مرتبطة بكثير من حسن النوايا، والقدرة على التأقلم السريع والبذل غير المشروط والصفح والتغافل وحفظ الود والوفاء بالعهد، والصبر على تقلبات الأيام.

جاء في الحديث: «ِإنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ، إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَمَا تُعَلِّقُ يَدَاهَا الْخَيْطَ، فَمَا يَرْغَبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَمُوتَا هَرَمًا».

هذا كان خلق رجال أهل الكتاب، فكيف يجب أن يكون خُلُق رجال الإسلام؟

 

في آخر صيحات النصائح وطرق التعامل مع الخلافات الزوجية اخترع علماء في جامعة زيورخ بخاخا عطريا يساعد على حل الخلافات بين الزوجين، وتهدئة الأجواء، والبخاخ يحتوي على هرمون الرقة والأمان الذي يفرزه الجسم بشكل طبيعي عند الشعور بالحب، ويزيد الشعور بالرعاية والولاء، وقام العلماء بتجربته على مجموعة من الأزواج، وأثبتت التجربة تغييرات إيجابية طفيفة في تعديل السلوك وتحسين المزاج.

 

بخاخ لحل الخلافات الزوجية!! يا ليت الأمر كان بهذه السهولة.

عطر الله حياتكم بالمودة والرحمة والسعادة والهناء التي يزرع ورودها المتحابون والأحباب.