"ستبقى (إسرائيل) شجرة وحيدة في الصحراء". كان هذا تعليق شيمعون بيرس على الخلاف بين نتنياهو وأوباما، محذرا اليهود من فقدان الحليف الأميركي، حيث قال: " لا يجوز لـ(إسرائيل) أن تفقد حليفا مهما مثل الولايات المتحدة"!
ما قاله (بيرس) يشير إلى حالة من (الفتور) في العلاقة بين إدارة أوباما وبين نتنياهو، وهذا الفتور يرجع إلى استمرار (إسرائيل) في بناء المستوطنات، وتعطيلها للدور الأميركي. لقد استقبلت (إسرائيل) بشيء من القلق والسخط تعيينات أوباما الأخيرة، التي شملت وزير الخارجية ووزير الدفاع ورئيس الاستخبارات CIA. حيث لم تر فيهم التعاطف الكافي مع (إسرائيل).
بيرس، رجل كبير السن، وقيادي صهيوني من ذوي الخبرة، عايش كافة وزراء دولة الاحتلال منذ ابن غوريون وحتى نتنياهو، لذا فإنه حين يتحدث للإسرائيليين عن خطورة فقدان الحليف الأميركي، إنما يعبر عن رؤية استشرافية مستقبلية تنظر إلى المستقبل بعين القلق الصهيوني المعروف عالميًا. هو يعبر عن حالة فتور قد تتطور إلى حالة جفاء.
وهو يدرك أن أسباب هذه الحالة لا تقف عند مواصلة الاستيطان، بل تمتد إلى تدخل نتنياهو واليمين الإسرائيلي في الانتخابات الأمريكية الأخيرة لصالح الحزب الجمهوري ضد باراك أوباما، حيث كانت مظاهر هذا التدخل سافرة، ومكشوفة. بيرس لم يشر إلى هذا السبب لأنه لا يريد أن يعترف به، ولكنه يدرك تأثيراته على العلاقة الأميركية الإسرائيلية.
بيرس لم يتعرض في تصريحه آنف الذكر إلى مجلة (النيويورك تايمز) إلى التحولات في العالم العربي، وهي تحولات استقلالية ضاغطة على واشنطن، وتقترب أكثر من إرادة الشعوب العربية التي ترفض (إسرائيل)، كما ترفض التبعية لأميركا. بيرس لم يتعرض لهذا السبب الكبير، وتعرض لأحد مظاهره المهمة والمستنفرة له، وهو عودة (العمليات العسكرية) الفلسطينية داخل العمق الإسرائيلي. مع حصول هذه العمليات على تأييد عربي لها. وفي ذلك يقول: "الفلسطينيون سيقومون بعمليات في العمق الإسرائيلي إذا تواصل الجمود السياسي، وإن الهدوء الحالي لن يستمر". ويقول: "إن العالم سيؤيد الفلسطينيين، ويبرر عملياتهم ليلصق بـ(إسرائيل) اتهامات غير عادلة عبر وصمها بالعنصرية" !!
ثمة ألغام عديدة في طريق (إسرائيل) بحسب بيرس قد تنسف مستقبل (إسرائيل)، ويمكن حصرها في ثلاثة تطورات خطيرة، وهي:
1. عودة المقاومة الفلسطينية إلى عملياتها العسكرية في عمق (إسرائيل).
2. تأييد العالم، والعالم العربي لهذه العمليات، وتحميل (إسرائيل) المسؤولية.
3. ازدياد الجفاء في العلاقة بين واشنطن و(تل أبيب)، وبداية سقوط التحالف.
وللخروج من خطر شبكة الألغام هذه يقترح، بل يطالب بيرس بعودة التفاوض مع محمود عباس باعتباره الشريك الفلسطيني الحقيقي، الذي التزم بالتعاون، وبالتنسيق الأمني مع (إسرائيل).
هذا ما قاله بيرس إلى مجلة "النيويورك تايمز" مؤخرًا، وفيه يحاول رسم خارطة طريق للخروج من مأزق الألغام الثلاثة، فماذا يقول محمود عباس وغيره؟! ما هي خارطة الطريق الفلسطينية لتوظيف هذه الأخطار لصالح الشعب الفلسطيني؟! ليس من المنطق أن تنتظر الفصائل محمود عباس للعمل، بل يجدر بها أن تعمل من خارج رؤيته، لأنه مازال متمسكاً بالمفاوضات على الرغم من فشلها، ولا يؤمن بنزع الشرعية عن (إسرائيل).
