الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 10:12 ص

مقالات وآراء

قراءة في مهرجان انطلاقة "فتح" الثامنة والأربعين بغزة

حجم الخط

 

أقامت حركة "فتح" مهرجان انطلاقتها الثامنة والأربعين الموعود في غزة يوم الرابع من يناير 2013م لأول مرة منذ العام 2007م، حيث تم حظر أنشطتها في غزة من قبل حركة "حماس" بعدما سبقتها "فتح" بالحظر لكل الأنشطة والمؤسسات الخاصة بحركة "حماس" في الضفة الغربية المحتلة. ليس هذا المهم، بل إن حركة "فتح" استطاعت أن تحشد أعدادا فاقت ما توقعته هي، وإن كانت وقفتنا ليست أمام الأعداد بقدر ما هي أمام قراءة في واقع حركة "فتح" بغزة بعد ثمانية وأربعين عاما على تأسيسها ومعرفة جوانب القوة والواجب تجاه جماهيرها من قبل الفصائل الأخرى وبخاصة الحركة التي بات يعرفها العالم العربي والإسلامية بالعقلانية "حماس".

 

المهرجان الذي نظمته "فتح" في غزة ركزت عليه بشكل كبير، بل وكبير جدا، فهي لا يعنيها كثيرا احتفالاتها بالضفة الغربية المحتلة، خاصة وأنها تدرك بأن شعبيتها هناك وصلت إلى الحضيض، وفي سبيل ذلك نظمت مهرجانات انطلاقتها هذا العام في مناطق متفرقة لم تحشد في بعضها على مستوى محافظات كبيرة ما يزيد عن خمسة عشر ألف مشارك، وهي أمور تعود لعدة أسباب قد نقف عليها في مقالات لاحقة لتقييم حركة "فتح" من الداخل.

 

تخطيط وتمويل

 

وفي سبيل نجاح احتفال انطلاقتها بغزة، ليس حبا في "فتح" التي لا يفقه غالبية أبنائها ميثاقها أو الخط السياسي الذي تسير عليه، وإنما مناكفة لحركة "حماس"، فقد رصدت قيادة حركة "فتح" كل إمكانياتها الفنية واللوجستية لإنجاح هذا المهرجان المرتقب من مختلف الأطراف، وفي سبيل ذلك قامت بالتالي:

 

1- رصد ميزانية خيالية لإقامة مهرجان من هذا القبيل، فقد أكد أكثر من مصدر بأن الميزانية الفعلية لمهرجان انطلاقة "فتح" تخطت ربع مليون دولار، وهو مبلغ كبير مقارنة مع ما تم إنفاقه فعليا حتى الآن على المهرجان، فقد انقشع الغبار وبدأت الأطراف المختلفة بمطالبة حركة "فتح" بتسديد المبالغ الخاصة بما قامت بإنجازه خلال المهرجان، بل إن البعض تحدث عن لجان تحقيق تم تشكيلها للتحقيق في الآلية التي تم بموجبها صرف هذه المبالغ المالية وقضايا أخرى، ونحن تأكيدا لا نزال في بداية المشوار!!.

 

2- تشكيل لجنة من كبار مهندسي حركة "فتح" وبخاصة من المتخصصين في مجالات الديكور، لتصميم منصة المهرجان بشكل يكون كفيلا بجذب الجماهير للمشاركة في المهرجان، وحتى لا يتكرر مشهد سقوط إحدى المنصات في إحدى حفلات التخرج بإحدى الجامعات التابعة لحركة "فتح".

 

3-تشكيل لجنة لحماية أمن المهرجان قوامها ستة آلاف عنصر من حركة "فتح" وبخاصة من العاملين في المجال الأمني منهم في محاولة لإخراج المهرجان بأبهى صورة ممكنة، ولإعادة اهتمام وتركيز قيادة الحركة في الضفة الغربية لعناصرها في غزة بعدما أدارت لهم ظهرها لسنوات طويلة.

 

4- الاتفاق مع عدد من شركات الإنتاج الإعلامي في غزة ومنحها الوعود الكبيرة لفتح أفق كبير للعمل معها إن هي قامت بنقل صورة مشرقة إلى فضاءات العالم المختلفة.

 

فشل ذريع

حرصت حركة "فتح" على التحشيد للمهرجان بشكل لافت للنظر وعلى مدار أيام طويلة، سواء كان ذلك من خلال المسيرات المحمولة أو مكبرات الصوت "ودون اعتبار لوقت" ليلا كان أو نهارا، بل ودون أدنى اعتبار لمعاناة المواطنين بفعل الأخلاق غير السوية التي قام بها عناصر "فتح" وتصرفاتهم المختلفة مع الناس، وبدا واضحا من أسلوب التعامل أن "فتح" تُصر على اعتبار أنها لا تزال في الحُكم والسلطة حتى الآن دون اعتبار بأن الناخب الفلسطيني اختار غيرها ولفظ نهجها سابقا.

 

وقبيل المهرجان بيوم كامل احتشد أنصار التيار الدحلاني بخاصة في ساحة السرايا، بل وقرروا المبيت في المكان "طبعا ليس حبا في حركتهم"، وإنما بفعل قرار من مسئول تيارهم دعاهم للتواجد في المكان واحتلال الصفوف الأولى لتنفيذ أجندة مختلفة خلال المهرجان ولإيصال رسالة إلى قيادة الحركة التي فصلته. وفي وقت لاحق وجد هذا التيار من الصعوبة بمكان افتعال اشتباكات كبيرة في المكان مع تيار "عباس" وجيوب أخرى في حركة "فتح" فقرر تغيير خطته والقيام بخطوات أخرى تُفشل المهرجان "وإن كانت لم تخلُ الاحتفالات من اشتباكات متفرقة بين الفينة والأخرى أوقعت العديد من الإصابات وأغلقت جامعة في غزة وغيرها من المشاهد المعروفة".

 

قررت إدارة المهرجان البدء بالفقرات قبل بداية المهرجان بنحو الساعة، وبدون مقدمات تحدث "عباس" بكلمة لم تحمل بين طياتها أي جديد لحركة أمضت ثمانية وأربعين عاما على تأسيسها. انتهت الكلمة وبدأت تحركات التيار الدحلاني، خاصة بعدما علم ذلك التيار بخطوة إدارة المهرجان السماح لقيادات فتحاوية مناوئة لدحلان الصعود على المنصة، فاندفعت العناصر الدحلانية إلى الأمام وقطعت أسلاك مكبرات الصوت، واستمرت كذلك حتى أجبرت قيادة الحركة على مغادرة ساحة المهرجان، وتركت الجمهور بلا قيادة أو مكبرات صوت، والسؤال المطروح أين جهود الستة آلاف عنصر؟ تأكيدا لا يملك الإجابة إلا قيادة حركة "فتح".

 

استمر الحشد لساعات طويلة دون فقرات أو فعاليات للمهرجان، بل إن الأمر اقتصر على بعض الفضائيات بنقل صورة بدون صوت، إنما الرسالة كانت من وراء ذلك نقل مشهد الحشد ليس إلا.

 

خلافات وافتراءات

 

وبعدما شاهدت قيادة حركة "فتح" شدة اندفاع عناصر "دحلان" إلى المنصة قررت الانسحاب من المكان وطلبت من حركة "حماس" عدم إيفاد ممثلها لساحة المهرجان والذي كان مقررا أن يتحدث بكلمة القوى الوطنية والإسلامية، ولم يستطع أحد من قادة "فتح" الرجوع إلى ساحة السرايا قبل انتهاء المهرجان.

 

وبفعل هذا الفشل الذريع- الذي كنت شاهدا عليه من ساحة المهرجان- أخذ قادة "فتح" يسوقون المبررات المختلفة لسوء التنظيم وعدم متابعة الفقرات وغيرها، غير أن المشكلة كانت تكمن في أن لكل قيادي روايته التي اختلف فيها عن الآخر- بالإمكان الرجوع إلى تصريحات أولئك القادة يوم المهرجان- وهي مبررات إنما جاءت في محاولة يائسة لإصلاح خلل واضح يعتري حركة "فتح" يتمثل في الابتعاد الواضح للقيادة عن العناصر.

 

بالطبع أخذت قيادة حركة "فتح" تتغنى بالجمهور لدرجة استغفال العقول، فصحيح أن الحشد كبير، لكن ليس لدرجة أن يُقال بأنه مليون ومائتي ألف مواطن، فهذا رقم لا تصدقه كل نواميس الكون، وكل القوانين الأرضية وغيرها، إلا إذا كانت حركة "فتح" تحاول تقليد الأنظمة العربية التي كانت تفوز في الانتخابات بنسبة 99,99%.

 

وفي ساحة المهرجان حدث أمورا يترفع الإنسان عن ذكرها من اختلاط ومعاكسات وما لف لفها- طبعا سربت بعض صورها وسائل التواصل الاجتماعي وشاهدت العديد منها يوم المهرجان- وهي مشاهد للعلم لم تُشاهد عبر الفضائيات لأنها لم تخرج بصور من مناطق قريبة خشية نقل الفضيحة، ولو أن تلك الفضائيات قربت عدساتها لعلمنا ما جرى على المنصة وعلى الجانب الأيمن منها على وجه التحديد. بالطبع عناصر "فتح" وعبر مواقع التواصل الاجتماعي خرجوا مدافعين عن الحشد دون التفكر أو التعقل لدرجة أن أحدهم قال "اعتبروا إنه النساء المشاركات جاءت بهم "فتح" من نوادي ليلية"، وهذا كلام مردود ومرفوض تأكيدا، فالمرأة الفلسطينية المجاهدة والمناضلة لا أقبل أن يُقال عنها أي كلمة من هذا القبيل، وإن كان البعض حاد عن الطريق فبالإمكان تصحيح مساره وليس اتهامه بالألفاظ التي لا يتحدث بها آدمي.

 

الملاحظ من المهرجان أن غالبيته من الشبان الصغار الذين لا تتجاوز أعمارهم العشرين عاما، وهذا مؤشر- لمن أراد أن يفهم ما أقصد وأتمنى أن يدرك ما أعني جيدا- جمعتهم خلال المهرجان "في غالبهم طبعا" علبة السجائر والجوال ومعاكسة الفتيات، ولم تجمعهم مبادئ "فتح" أو شعاراتها، وأكثر دقة فهؤلاء لا يعلمون شيئا عن فلسطين الوطن والقضية أين كانت وأين أصبحت بفعل سياسات وأفعال قيادة حركة "فتح"، وكما قلت فهؤلاء عددهم ليس بالقليل والواجب من الذين أعنيهم في بداية هذه الفقرة التحرك قبل فوات الأوان، فهذا الجيل أمانة وعليه يُعتمد إن تم إحسان استغلاله في كل أمر نافع وأبعدناه عن الطريق المنحرفة التي انجرف فيها، وأعتقد أنه من السهولة إعادة هذا الجيل إلى النهج القويم وإلى صراطٍ خطه الحبيب محمد "صلى الله عليه وسلم" لصحابته وهداهم لاتباعه فأصبحوا سادة للأمم بعدما كانوا رعاة للغنم. أرجو أن تكون رسالتي قد وصلت.