هذا عنوان ديوان للشاعر الفيلسوف المعرّاوي، الكفيف العفيف النفس، شاعر المعرة، تلك المدينة التي نالت من نظام الأسد، نظام البعث كما يدّعون، وما هو إلا النظام الطائفي الإجرامي المدعوم من الغرب، أقول نالت منه أي من هذا النظام من القصف والتدمير نصيباً وافراً وافياً. ولو كان المعري في المعرة ونظام «المعرة» والعار يقصف بالنار والراجمات والطائرات والدبابات لخصص لبشار ديواناً خاصاً وسماه «إكليل العار على رأس بشار».
في هذا الديوان سقط الزند، وقد طبع في بيروت سنة 1400هـ/1980م، وجاء في 343 صفحة، أقول جاء في أوله القصيدة المشهورة الدالية:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شاد
رب لحدٍ قد صار لحداً مراراً
ضاحكٍ من تزاحم الأضداد
وفيه قصيدة بعنوان: من يشتريها، وفيها:
«من يشتريها وهي قضاء الذيل»
فقلت كأنه عنى المعنى في القضاء المصري.
ومن عيون أبياته:
ومن شهد الوغى وعليه
درع تلقاها بنفس مطمئنة
ولعله يقصد أن من شهد الوغى في مقارعة هؤلاء المبطلين الفاسدين المفسدين وكان متمترساً بالشعب متدرعاً بالحق والعدل والشرع والدستور والقانون، تلقى طعنات الخصوم بنفس مطمئنة، واثقة بالنصر متأكدة من طيب النتائج!
ومن أبياته في قصيدة بعنوان: يا دهر يا منجز إيعاده:
أحسن بالواجد من وجده
صبر يعيد النار في زَنْدِه
ومعنى البيت أولاً ثم معناه الإشاري ثانياً، أما المعنى كما هو في اللغة فهو يقول: أحسن وأليق بالحزين (الواجد) أي حامل الوجد من وجده أي من مشاعره الحرى وأحزانه، أحسن من ذلك أن يصبر فهذا الصبر يعيد جذوة النار في زنده أي هذا الصابر، كأن الصبر يعيد له طاقته وقوته، فبعد أن انطفأت جذوته تعود إليه بالصبر، هكذا أفهم البيت، ويمكن أن نضيف فهماً ثانوياً آخر وهو أن الصبر يدفع عنك النار ويعيدها إلى مكمنها.
أما المعنى الإشاري فهو أن صبر مرسي والقيادة معه في مصر تعيد الزند إلى وكره وجحره وناره إلى حجره، ومكره إلى نحره.
وهذا الصبر أحسن من التسرع بالتصادم معه فمن ورائه عصبة في الشر (ردي) أي جاهزة.
ومن أبيات القصيدة ذاتها:
أرى ذوي الفضل وأضدادهم يجمعهم سيلك في مده
والمعنى اللغوي للبيت: هو يخاطب الدهر فيقول إن سيلك أيها الدهر إذ يسيل ويمتد يجمع في طياته ذوي الفضل وأضدادهم.
وأما المعنى فوق اللغوي والحمولة الثانوية الإشارية فهي أن القضاء يجمع الغث والسمين والمخلص والدعي الزنيم والسمح واللئيم وقضاة العمالة والرش،ا ومن هو مثل محمود مكي على طريق مستقيم، دنيا فيها العجايب، وقضاء وفيه المصايب.
وفي خواتيم القصيدة يقول:
سلم إلى الله، فكل الذي ساءك، أو سرك، من عنده
وهو واضح.
وفي قصيدة باسم: «اسم الأمير..» قال:
ومن صحب الليالي علمته خداع «الزند»، والقيل المحالا
وهو كذلك واضح، وقوله: والقيل المحالا: عطف على خداع.. ومعناه: إما القول الكذب لأنه محال وجوده، أو القول المتلون المتحول الذي ظاهره شيء وباطنه شيء كأقوال الزند وجماعته عن العدل والقضاء والنزاهة وحب مصر ومصلحة مصر، وما لهم في ذلك ولا من ذلك لا قليل ولا كثير.
وفي صفحة 60 يقول: «دع االقضاء لقوم يعدلون به».
وفي صفحة 62 قال:
والزند ما لم تفد نفعاً إقامت غيم حمى الشمس لم يمطر ولم يسِرِ
وكأنه أي المعري يتحدث عن الأضغان التي يكنها الزند لأهل الإسلام، وللرئيس مرسي على الخصوص فيقول صفحة 66:
ومضطغن عليك وليس يجدي ولا يعدي على الشمس اضطغان
ومعنى الشطر الثاني: وهل ينفع الحاقد على الشمس حقده؟
ويترك المعري مصر والزند مؤقتاً ويحن إلى بلاد الشام والمعرة وحلب فيقول:
حلبٌ للولي، جنة عدن وهي، للغادرين، نارُ سعيرِ
ثم يعود من حلب إلى مصر ويتكلم عن مجموعة القضاة التابعين للفلول والمؤتمرين بأمر المتآمرين المتأمركين فيقول:
يطيعون أمراً من غوي كأنه على الدهر، شيطان يجور ويعتدي
وهذه من قصيدته: «أنور» السادات صفحة 89 والبيت صفحة 93 ويخاطبه فيقول:
يا ابن «نادي القضاة» بمصرٍ ومغيظ الشعوب من عربان
وفيه يقول:
هو الزند مجته النفوس مرارة وقد فغرت أفواهها لالتهامه
ويقول في تغول القضاء الفاسد ودكتاتوريته وتبعيته للفلول واستئساده على الرئيس مرسي ابن الأصول، يقول:
لقد آن أن يثني القضاء لجام وأن يملك الصعب الأبي زمام
ثم يتحدث عن استعانة البرادعي بأمريكا وأوربا، ويتحدث عن استنجاد عكاشة صاحب «قناة مجارير الفراعين» بإسرائيل واستنهاضه إياها لتخلص مصر من مرسي، فيقول:
أيوعدنا بالروم ناس، وإنما هم النبت، والبيض الرقاق سوام
شبه الشاعر المعري المهددين وأعوانهم والمستنجدين وسادتهم بالنبات وشبه سيوف قومه المصريين الأشاوس الكُماة بالإبل التي ترعى ذاك النبات.
ثم يقول ناصحاً أمثال البرادعي والحمدين وأبو العمرين، أن لا تغتروا بالدعم اللامحدود لكم من يهود وبعض بني جلدتنا من كل حاقد لدود، فما تدوم لكم ولا لهم، ولا مال النفط الذي يضخونه لتخريب مصر باق ولا السلطان لهم باق، وغداً كلهم باك إن شاء الله، يقول:
وما الدهر إلا دولة ثم صولة وما العيش إلا صحة وسقام
ولو دامت الدولات كانوا، كغيرهم رعايا، ولكن ما لهن دوام
فلما تجلى الأمر قالوا تمنِّياً ألا ليت أنا في التراب رمام
ويقول صفحة 112 بالنص تماماً:
إذا ضن زند بالشخت كفه ليقبس من بعض الكوكب ناراً
والشخت هو الدقيق من الحطب، يعني الكسر من الحطب. يقول: إذا بخل «زند» على المستوقد بقليل الحطب ودقيقه، فإن الشخص المعني يمد يده إلى بعض الكواكب ليقبس النار بدل نار الزند، أطفأ الله ناره.
وفي القصيدة يتحدث عن قضاة مصر من جماعة الزند وعبد المجيد وتهاني، فيقول:
كأن قضاة القُطر لم ترض عِزَّه فأصْعَدَ يبغي في البلاد دماراً
يقول كأن قضاة القطر المصري من جماعة الزند لا تريد نهضته أي القطر وعزه، فأصعد أي مشى في البلاد حتى الصعيد يريد الخراب فيها ليعود عهد الغراب المسمى «باراك المنوفي»!
وفاتحة القصيدة معبرة وهي بعنوان: «ملمّات الزمان»:
عظيم، لعمري، أن يلم عظيم «بأهل مصرٍ»، والأنام سليم
يقول ويقسم إنه لعظيم أن يلم الأمر العظيم، وأقول أن يلم هذا العظيم بأهل مصر على يد من يفترض أن يكونوا الميزان فيها لا أن يكونوا من يخسر الميزان، هذا الأمر العظيم يلم بأهل مصر وباقي الناس في عافية ووضعهم سليم، علماً بأن الأمور كلها في غير السليم.
ورحمك الله يا أبا العلاء كأنك كنت تقرأ الغيب وأنت تكتب ديوانك سقط الزند، وكأنك قرأت أننا سنبتلى بقضاء فاسد وقضاة حُماةٍ للّصوص معطّلةٍ للقانون، وأنه لا تقوم قائمة إلا بسقوط «الزند» وأعوان الزند وأشباه الزند فكان ديوانك: سقط الزند!
