بين الفينة والأخرى يطفو الحديث على سطح الواقع الفلسطيني عن موضوع المصالحة الفلسطينية، وتزداد أو تنخفض وتيرة الحديث عن هذا الملف حسب الأجندة التي تسير وفقها الأطراف الفلسطينية المختلفة المعنية بهذا الملف الحساس. التركيز في الحديث عن هذا الملف بات يصاحبه شجون كبيرة، خاصة وأنه كلما تسلل الأمل إلى صدر الفلسطينيين بقرب إتمام المصالحة الوطنية، جاءت الرياح السياسية بما لا تشتهيه سفُن الفلسطينيين، ليتبدد الأمل مرة أخرى ويتسلل الإحباط مرة أخرى بين فئاتهم وشرائحهم المختلفة.
وخلال سنوات طويلة من تناول هذا الملف بالتحليل والتأويل كان من أبرز محطات هذا الملف، ما تمخض خلال عدوان الاحتلال الصهيوني في “حرب الأيام الثمانية”، ففي هذه الأيام بدت الوحدة الفلسطينية- أقصد الشعبية منها- بأبهى صورة كانت، وعلى إثرها انطلق حديث المسئولين من حركتي “حماس” و”فتح” للمطالبة بإنجاز هذا الملف الذي طال انتظاره، ومع تصريح من هنا وآخر من هناك تسلل الأمل بصعوبة إلى أفئدة المواطنين الفلسطينيين، ولاحت أمام ناظرهم مشاهد وحدة تجمع الوقف والطيف الفلسطيني، وهو أمر ما لبث أن تلاشى مرة أخرى- بعدما بدأ مسئولو حركة “فتح” يصدحون بالاشتراطات- وخلف صدمة جديدة للفلسطينيين الباحثين عن لحظة من الوحدة والتقارب في سبيل تعزيز كل المواقف التي من شأنها التعجيل برفع المعاناة عن شعب عاشها لعقود طويلة من الزمن.
وفي حرب “الأيام الثمانية” يمكن الاستنتاج وحتى لا يبقى المواطن يعيش على الأمل بأن الأطياف السياسية الفلسطينية لن تفلح في إتمام المصالحة الفلسطينية وهذا نابع من مواقف حركة “فتح” غير المسئولة تجاه الشعب والقضية الفلسطينية، فالسلطة وحركة “فتح” لديها التزامات قطعتها للولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني بعدم اتمام المصالحة مع حركة “حماس” التي تدرجها تلك الأطراف في خانة المنظمات (الإرهابية).
هذا ليس تجني على “فتح” إنما هو الواقع، ولو كانت هذه الحركة معنية بإتمام المصالحة لما واصلت الملاحقات والاعتقالات السياسية للصحفيين ونشطاء حركة “حماس” في الضفة المحتلة، فحتى هذه اللحظة يقبع في السجون الفلسطينية عشرات المعتقلين بدون تهم أو محاكمات. في المقابل فقد ظهرت العديد من المبادرات من قبل حركة “حماس” في غزة، من قبيل العفو عن عناصر “فتح” الهاربين إلى غزة بالعودة إليها، والإفراج عن كل عناصرها المعتقلين على خلفيات سياسية في أكثر من مناسبة.
بعدما شعر المواطن بالتفاؤل أكثر من مرة خلال شهر نوفمبر الماضي وعقب انتصار المقاومة والشعب الفلسطيني في غزة، وكثرة الأحاديث الإيجابية خرجت “فتح” فجأة بلغة الاشتراطات لإتمام المصالحة والتي تمثلت في “أن تسبق الانتخابات إنجاز المصالحة”، وهو أمر لا يمكن حدوثه على الإطلاق، والسؤال المطروح: كيف ستجري الانتخابات قبل إتمام المصالحة؟. وبذلك يدرك الإنسان بما لا يدع مجالا للشك أن حركة “فتح” غير معنية بإنجاز المصالحة الفلسطينية، ولو كانت معنية لأظهرت البوادر الحسنة.
إن ما حدث خلال “الأيام الثمانية”، وهذا ما لمسناه من تصرفات وتحركات المواطنين واحتضانهم لبعضهم البعض ورجال المقاومة الفلسطينية خلال الحرب وبعدها، هو أمر يؤكد بما لا يدع مجالا للشك إمكانية إنجاز المصالحة الفلسطينية شعبيا، أي بين العائلات الفلسطينية والأفراد والعناصر.. أبناء العم، والعائلة الواحدة وغيرها، وصولا لمصالحة بين العائلات الفلسطينية، وهي مصالحة أكدت الوقائع الميدانية إمكانية تحقيقها، بل وبقوة.. ولذلك أقول امضوا يا أبناء شعبنا لإتمام المصالحة فيما بينكم واتركوا الفصائل وما تصبوا إليه، فمن يدري؟ ربما تضغط مصالحتكم على السياسيين وتجبرهم على إتمام المصالحة الفلسطينية الحاضنة للمقاومة الفلسطينية والرافضة للاحتلال الصهيوني لأرضنا.


