مصر – حرسها الله – شغلت بأحداثها المتتالية كل بيت في فلسطين أعاد الله لها حريتها. بيوت الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الخارج خاصة في غزة منشغلة بالثورة المصرية وتطور الأحداث فيها. انشغال فلسطين بمصر ربما يساوي أو يتفوق على انشغال بعض البيوت المصرية نفسها. في سوريا قصف على مخيم اليرموك الفلسطيني، وقتل ذريع لأبناء المخيم، وهجرة جديدة لسكان المخيم من الفلسطينيين، وهذه أحداث تمس كبد كل فلسطيني وتؤلمه وتحزنه، ومع ذلك فإن أحداث مصر تشغل كل الكيان الفلسطيني، وتأخذ الفلسطيني عن همومه الفلسطينية.
ما أقوله من وصف لاهتمام الفلسطيني ومشاعره لا مبالغة فيه، بل هو الواقع والمنطق والطبيعي، ففي مصر مفتاح القدس، ومفتاح التحرير والدولة الفلسطينية. إنه إذا عزّت مصر عزت فلسطين، بل هي عز للأمة العربية، ولأن كل فلسطيني يتمنى الخلاص من الاحتلال في أقصر الآجال، فإنه يتمنى أن تستقر مصر وتتخلص من المؤامرة التي تقودها جبهة التأزيم بالتعاون مع فلول النظام البائد في أقصر الآجال أيضًا.
ما يحدث في مصر ليس أمرًا طبيعيًا ولا معتادًا. ما يحدث ليس عملاً ديمقراطيًا، بل هو أعمال تهدم أسس الديمقراطية وقواعدها الطرية في مصر. ما يحدث في مصر ليس معارضة سياسية تقوم على الفكر واحترام قواعد الخلاف بل هو عدوان على الشرعية، وهدم للاستقرار، وهدم لمؤسسات الدولة باسم المعارضة وباسم الديمقراطية. في مصر الآن صراع شرس ومفتوح على المجهول، رغم حالة الوعي الذكي عند قيادة التيار الإسلامي وعند أغلبية الشعب المصري.
يقولون إن أوروبا لم تستقر بها الحياة الديمقراطية على قواعد وأسس تعترف بها الأحزاب إلا بعد صراع دموي استغرق عشرات السنين انتهى إلى حالة من الإرهاق والعنت للأحزاب وللمجتمع، ثم اتجه الجميع إلى الديمقراطية المستقرة. هذه التجربة الأوروبية يعرفها التيار الإٍسلامي جيدًا، وتعرفها الأحزاب الليبرالية واليسارية، ولكن معرفة العلمانية المصرية الشرسة بمكوناتها الليبرالية واليسارية والشيوعية تضع معرفتها على الرف، وتنزل إلى الميدان بسلوك مسكون بالتحدي وبالاستفزاز، وفي ظهرها مال حرام، وإعلام سحرة فرعون الذين يملكون قدرة فائقة لقلب الحقائق، وتزييف القناعات.
الديمقراطية ليست معرفة، وليست علما، وليست إعلاما، الديمقراطية سلوك، نعم سلوك نظيف. سلوك فيه طهارة فكر وطهارة يد وطهارة جيب، وقبول واضح بقرار الشعب ورأيه واختياره.
أين هي الديمقراطية عند حزب الوفد الذي يدعي العرافة الحزبية، وعند البرادعي الذي أمضى عمره في فينا، وعند عمرو موسى الذي طاف بلاد العالم وزيرًا للخارجية وأمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، إن كان هؤلاء يصرون على رفض نتائج الاستفتاء، والإصرار على اتهام لجنة الانتخابات باتهامات باطلة، هم يعرفون بطلانها سلفًا، ولكنهم يريدون تضليل العامة؟ هؤلاء نسألهم ماذا لو كانت نتائج الجولة الأولى معكوسة 57% لا و43%نعم؟ عندها سيكون الشعب حكيمًا ومعلمًا، وتكون اللجنة نزيهة؟! الديمقراطية ليست انتهازية ولا تضليل. وما يحصل عيب؟! وبداية سيئة لعيوب أكبر في المستقبل!!


