كتبت الصحفية نجاة شناعة في السبيل تقريرا بعنوان «التمثيل النسائي العربي في ذيل الترتيب العالمي» بينت فيه بالاستناد الى تقرير للامم المتحدة ومعهد تضامن النساء، أن مشاركة المرأة العربية في المجالات السياسية والحساسة في إدارة الدولة تكاد تكون معدومة أو قليلة، وغير ذات أثر، أو تقليدية في مجالات يراها المجتمع أكثر مناسبة للمرأة كالشؤون الاجتماعية ورعاية الأسرة!
يبدو الخبر غريباً، فعلى الرغم من سنين متواصلة تعود الى سبعينيات القرن الماضي عملت فيها المنظمات النسوية المحلية والعالمية في الدول العربية، لتغيير أحوال النساء العربيات وتعامل المجتمعات معهن وتطبيق ما تسوق له من المساواة، الا أن الحال يتراوح مكانها بالجمود أو التراجع، حتى إنها لم تكتف بالعمل الاجتماعي والثقافي لتحقيق أغراضها، بل نجحت هذه المنظمات بدخول الإطار الدولي والأممي الذي تبنى أجندتها، وفرضها على معظم الدول العربية فيما يعرف بمعاهدة سيداو التي تطالب بالمساواة الكاملة بين الرجال والنساء، وإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وهي شعارات في ظاهرها رحمة بالمرأة وتحصيل لحقوقها، وفي باطنها انتكاس ذريع لكل ما أعطاه لها الدين من خصوصية وتميز وعدالة مقارنة بالرجل، حتى ولو كان المجتمع أيضا منتكسا بعدم تطبيقها!
وهذا يقودنا إلى مربط الفرس، فما دمنا نسير في الركاب الأممية بتوقيع المعاهدات، والتعهد برفع التحفظات وتطبيق التوصيات المستجدة، لماذا ما زالت معظم الدراسات والاحصائيات التي تتناول حال المرأة العربية لا تبشر بخير؟ فالعنف والتحرش ضدها في تزايد، والتمييز ضدها في تزايد، وهضم حقوقها الشرعية في تزايد، وتهميشها في تزايد، واستخدامها كزينة وديكور للتظاهر بالتقدم والتطور في تزايد! فأين التغيير الذي أحدثته المنظمات النسوية والمعاهدات الأممية طوال هذه السنوات من العمل الدؤوب المدعوم؟
الجواب أيضا بنفس السلبية؛ ذلك أن هذه المنظمات تأتي بأجندة خارجية وأطايح مفصلة على مقاس حضارات أخرى، وتريد أن تلبس المرأة العربية والمجتمع العربي ثوبا ليس على مقاسهم، ولا يروق الا لقلة قليلة هي فئة برجوازية ومخملية لا تحمل من العروبة سوى الاسم، بينما الأفكار والممارسات صنيعة الغرب والتغريب.
وهذه المنظمات وأطاريحها إما تواجه بالعداء من أصحاب التوجه الديني الذين يعرفون بواطن ومآلات هذه المعاهدات، أو يجهلها بقية الشعب والنساء المطحونين في عجلة الحياة بحثا عن أبسط حقوق الإنسان في العيش الكريم قبل حقوق الجنسين كلاً على حدا.
وأبسط قوانين التغيير الاجتماعي الفعال ودائم الأثر تقضي أن يكون التأثير داخليا وتراكميا في تغيير قناعات الناس وأفكارهم بتربيتهم عليها منذ الصغر، لا بفرضها كقوانين سهلة التجاوز وحتى عند التجاوز لا يُعاقب المجرم العقاب العادل على الجرم فيذهب الحياء بميراث المرأة، ويذهب العذر المخفف وادعاء الشرف بدمها!
لقد بلغ المجتمع الجاهلي درك الانحطاط في التعامل مع المرأة الى درجة قتلها وهي حية وتبادلها وتوريثها كالمتاع، وكانت النجاة من هذه الأحوال مجرد حظ أو اضطرار إلى بقاء النوع الانساني، ثم تغيرت القناعات من داخل النفوس والعقول والمجتمعات بشريعة جاءت لتعلي من شأن النفس الانسانية بغض النظر عن جنسها، ثم أعطت أفضلية ورحمة في التعامل مع النساء؛ لعلم المشرع سبحانه بفطرة الانسان والرجل خصوصا وميله الى الاستقواء على المرأة، فأصبح الذين يتناقلون المرأة كالميراث إلى درجة أن الرجل كان يرث زوجة أبيه، يعطونها حق أصيلا في الميراث قد يساوي الرجل في بعض الحالات، وقد يزيد عليه في حالات أخرى، وأصبحت الانثى التي توأد مخافة العار هي الباب لدخول الجنة وهي من أسباب اليمن والبركة على أبيها، وزوجها والقيم عليها.
والآن الشريعة لدينا، ولكنها غير مطبقة وغير مفعلة حتى لو وضعت في شكل قوانين وبالتأكيد لن نكون أفضل حالا باستيراد قوانين لا تشبه ديننا ولا حضارتنا.
والحل أن نربي الذكر والأنثى في المهد بيتا ومدرسة ومجتمعا كبيرا على احترام وتطبيق حقوق الطرفين، أما سيف القانون فلن يخيف من يريد انتهاكه، بل سيجد مخرجا للالتفاف عليه.
بالطبع نحن سعيدون أن أثر المنظمات النسوية فينا ليس كبيرا بالدرجة التي يتمنونها ويعملون لها، وما زال لدينا مناعة بفضل بقية من دين وعروبة وعادات وتقاليد، ولكن هذه ليست دلالة صحة كذلك فمن يعملون للمرأة في إطارات أكثر محافظة والتزاما لم يحصلوا للمرأة الكثير، ولم يقدموا نموذجا واعدا على ما يعطيه الإسلام للمرأة بالممارسات لا بالتنظير.
إنفاذ القانون يحتاج الى شعب على مستوى من الإيمان والوعي يطبق ما عليه، ويأخذ ما له ولا يُلجئ الرقيب الى استخدام سلطة القانون، فرب القانون الشرعي هو الذي يدفع الناس الى الالتزام به لا كاتبو القانون الوضعي.
النساء الى الخف در، وستبقى هذه حالنا بين المضي خطوة والرجوع خطوات ما دام المجتمع لم يقتنع بأهميتنا وحقوقنا وقدراتنا، التغيير يأتي أولا من الداخل.

