السبت 17 يناير 2026 الساعة 05:58 م

مقالات وآراء

من لا يعول عليهم

حجم الخط

تتجه الأنظار الى الولايات المتحدة، وتُحبس الأنفاس بانتظار نتائج الانتخابات الأمريكية وتكثر التكهنات والتحليلات والاصطفافات بالذات من قبل العرب الذين يؤملون ويصدقون أن تغير شخص القابع في البيت الأبيض وحزبه، قد يؤثر في سياسة أمريكا تجاه العرب وقضاياهم المصيرية؛ وذلك لعدم إدراكهم أن السياسة الأمريكية هي أكبر من شخصية الرئيس وحزبه الحاكم، وإنما هي سياسة دولة ومؤسسات وأجهزة وجماعات ضغط تصنع القرار، وأغلبها لا ينظر الى العالم العربي الا كمناطق للنفوذ والثروة!

 

أربعة وأربعون رئيسا منذ نشأة أمريكا، وحزبان رئيسيان هما الجمهوري والديمقراطي، ولم تتغير سياسات أمريكا نحونا الا نحو الأسوأ، ومزيد من فرض السيطرة و لاحتلال وتكبيل الدول العربية بالديون، حتى غدت أمريكا مكروهة على الاغلب من الشارع العربي الذي رأى فيها تعزيزا للاستبداد العربي بتحالفها مع حكام العرب، وتثبيت سلطانهم، وهم من أبقوا شعوبهم محاصرين بالخوف والفقر والجهل!

 

وظلت العلاقات الوثيقة بين أمريكا والكيان الصهيوني، ودعمها اللامتناهي له سمة أساسية لرؤساء أمريكا حتى إن المرشحين للرئاسة يتقاطرون لخطب ود وتأييد الجماعات الصهيونية في أمريكا، ويحسمون مواقفهم المتحيزة تماما بزيارة الأراضي المحتلة لا تدع مجالا للشك لدى الجمهور الاسرائيلي أن هذا المرشح سيكون راعيا لمصالحهم، ومثال ذلك زيارة أوباما قبل الانتخابات السابقة، وزيارة ميت رومني في شهر 7 في ما يسمى ذكرى «خراب المعبد» وصلاته عند حائط البراق، حيث ترك رسالة في أحد شقوقه وصرح: «في هذه البقعة المباركة، وفي هذا اليوم المشهود استطعت أن أتعرف أكثر على التاريخ اليهودي، وأنا أشهر بالألم الذي يشعره اليهود نتيجة تدمير المعبد»!

 

وفي الوقت الذي بلغت تطلعات العرب ذروتها بمجيء أوباما الى سدة الحكم، وصلت انتهاكات العدو الصهيوني في عهده في فلسطين ذروة غير مسبوقة في المسجد الأقصى، وفي التوسع الاستيطاني، وكأن العدو واثق بأن أحدا لن يحاسبه دوليا سوى ببعض تصريحات إدانة لا تقدم لا تؤخر على أرض الواقع، وقد زاد نفوذ اللوبي الصهيوني في عهد أوباما الى حد كبير كما توضح الدراسة المطولة للكاتب جميس بتراس بعنوان: القوة الصهيونية في السياسة الأمريكية The Zionist Power in American Politicsفي جميع ميادين الحياة في أمريكا، ومنها: تعيين صهاينة في مناصب قيادية حساسة في الإدارة الأمريكية، حيث عين أوباما رام ايمانويل كبير موظفي البيت الأبيض حتى عام 2010 وهو من أصل يهودي، ووالده كان عضوا في عصابات الأرغون، وقد خدم هو بنفسه ضمن الجيش الاسرائيلي في حرب الخليج عام 1991، وكذلك يمسك اللوبي بعصب المال والاقتصاد، ويرأس على سبيل المثال لا الحصر بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي من أصل يهودي بن بيرنانكي.

 

وكذلك تستخدم أمريكا نفوذها الدولي لشن الحروب وفرض العقوبات على كل من ترى أنه يهدد أمن «اسرائيل» في الشرق الأوسط، ويدلل الكاتب على ذلك بالتفاف أمريكا على نتائج تحقيق غولدستون واللجنة التي شكلتها الأمم المتحدة لبحث الحرب على غزة، حيث صوت الكونغرس الأمريكي بالأغلبية ضد التقرير، بل دافع بعض أعضائه عما أسموه حق «اسرائيل» في الدفاع عن نفسها ووجودها وحياة مواطنيها!

 

أما الدعم الأمريكي المالي والعسكري لـ»اسرائيل»، فبالمليارات التي تقتطع من ميزانية الشعب الأمريكي ومن جيوب دافعي الضرائب لامداد «اسرائيل» بالمال وأحدث الأجهزة والاختراعات الحربية، أما الإعلام الأمريكي فألعوبة بيد الصهاينة؛ ليبقي الشعب الأمريكي في غيبوبة عن العالم العربي الا فيما يتعلق بما يسمونه «الحرب على الإرهاب»؛ لاستدرار مزيد من تعاطفهم ضد المساكين من الاسرائيليين الذين يعيشون في محيط عدائي وعلى أمريكا حمايتهم، فمثلا تملك مجموعة ميردوخ خمسة من أقوى المطبوعات الصحفية وهي: ول ستريت جورنال، ونيويورك تايمز، ولوس أنجلوس تايمز، وشيكاغو تربيون، ونيوزويك. هذا غير تغلغلهم في محطات: فوكس نيوز، وسي بي اس، وسي ان ان التي تتبنى وجهة النظر والمصلحة الاسرائيلية في كل الأحداث، وبالذات الشرق أوسطية من خلال إعلامييها المشهورين كولف بلتزر وتيد كوبل.

 

أما تأثير الجاليات العربية في السياسة الأمريكية فتلك خيبة ليس هذا مكان عرضها، والفرق بينهم وبين الصهاينة أن الوجود الصهيوني كم مؤثر وفعال، بينما الوجود العربي كم مهمل، والعرب يستمتعون بسهولة الحياة ومنافعها دون التفكير بكيف ينفعون أوطانهم التي تركوها وأداروا لها ظهورهم الى الأبد!

 

إن هذا الغيض من فيض الأمثلة ومما خفي، وكان أعظم من سياسات أمريكا وأثرها في العالم العربي والاسلامي على مدى عقود خلت ليؤكد أن انتظار تغيير إيجابي بتغيير رئيس أمريكا هو انتظار للسراب أن يتحول الى حقيقة!

 

إن سياسة دولنا القائمة على رد الفعل المحكوم بسياسات الدول العظمى، هو ما يبقينا أسرى لأجندات يصوغها أعداؤنا وحلفاؤهم التي لن تكون يوما لصالحنا أو في صفنا، والتعويل على من لا يعول عليهم هو ضرب من الغباء السياسي وتحضير للهزيمة والاستسلام، وقد آن لنا بعد تجربة أوباما الخائبة أن لا نثق بإعلانات حسن النوايا.

 

لا تتعبوا أنفسكم بمتابعة الانتخابات الأمريكية ونتائجها فليس لنا فيها ناقة ولا جمل، ومن أراد التغيير فليبدأ بوطنه، ولا ينتظر إحسان الآخرين وتقديمهم، فصدقات السياسة خبث في خبث يعطون باليمين ليأخذوا أضعافا بالشمال، ويطعمون الفم حتى يستحي عن قول الحق والعمل به.

قال أجدادنا: «الشهر اللي ما إلك فيه تعدش أيامه»، ونقول الانتخابات التي لا تعنيك لا يجب أن تشغلك عن الأهم في بلدك.