تحيرنا ممارسات النائب العام على نحو يثير الالتباس ويجعلنا نتساءل عن حقيقة موقفه ومقاصده. لا أتحدث عن قصة نقله إلى السلك الدبلوماسي، الذي قال إنه رفضه، ثم حين تبين أن ذلك غير صحيح ذكر في وثيقة مكتوبة أن موافقته كانت «ملتبسة»، ولا أقصد إعلانه للصحف المصرية أنه تعرض للتهديد من قبل وزير العدل ورئيس جمعية الدستور، وبعد تحري المسألة ثبت أن ذلك لم يحدث، واضطر إلى الاعتذار للرجلين هاتفيا فيما بعد. لا اتحدث عن هذا أو ذاك، لأن ما اعنيه شيء آخر يبدو منه أن النائب العام بصدد الانزلاق في مستنقع الاستقطاب السياسي، الأمر الذي يحرج عدالته كنائب عن عموم المصريين ويحوله إلى طرف في الصراع السياسي الذى تدور رحاه في مصر. أتحدث تحديدا عن أمرين؛ أولهما استقباله قبل عشرة أيام مجموعة من الاشخاص المشتبكين مع السلطة والمخاصمين لها. وقد ذكرت الصحف انهم زاروه لكي يعربوا عن تضامنهم معه، إلا أن الصور التي نشرت اللقاء كشفت عن ملاحظتين؛ الأولى أن المجموعة لم تكن معه بقدر ما أنها ضد السلطة، الأمر الذي اعطى انطباعا بأن الزيارة لم تكن بريئة، حيث لم تستهدف مساندة الرجل في الحقيقة، وإنما سعت إلى إعلان اصطفافه الضمني إلى جانبهم. الملاحظة الثانية أن من بين الذين ذهبوا للتضامن مع الدكتور عبدالمجيد محمود في مكتبه أشخاص مقدمة ضدهم بلاغات محفوظة في إدراج المكتب ذاته؛ وهو ما يضاعف من الالتباس والحيرة، ويثير عديدا من الأسئلة سواء حول حقيقة ما دفعهم إلى الإعلان عن التضامن معه بعد مرور نحو اسبوعين من حدوث عاصفة نقله وتجاوزها، أو حول دافعه إلى استقبالهم والترحيب بهم في مظاهرة إعلامية صغيرة جرى تعميم خبرها وصورها على كل الصحف.
إضافة إلى الرسالة غير المريحة التي تلقيناها من الزيارة المشكوك في براءتها، فإن لدينا اسئلة كثيرة حول القرارات التي يصدرها النائب العام بشأن بعض البلاغات التي تقدم اليه، سواء تعلقت بتحريك البلاغات وتحويلها إلى النيابة أو بحفظها أو بالسكوت عنيها وتجميدها. والملاحظة الاساسية في هذا الصدد انه يبدي حماسا مشهودا للتحقيق فى بلاغات المعارضين للسلطة، في حين يغض الطرف عن بلاغات أخرى؛ الأمر الذي يوحي بأن بعض القرارات التي يصدرها تفوح منها رائحة تصفية الحسابات السياسية، في حين أن البعض الآخر يصدر لتحقيق مصالح معينة، لا يكون الصالح العام بينها، وهو ما يجعلنا نرى العدالة ناجزة في قضايا بذاتها، ومغمضة الأعين او عاجزة في قضايا أخرى.
لا يتسع المكان لذكر الحالات التي أعنيها، ولكني سأشير إلى بعضها فقط، وسأترك للقارئ أن يخرج منها بالخلاصة المناسبة، فحين قدم الفريق أحمد شفيق بلاغا ادعى فيه تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية، فإن ذلك البلاغ أحيل على التحقيق في اليوم التالي مباشرة، أما حين قـُدم بلاغ ضد الفريق شفيق مصحوبا بمستندات تثبت تربحه من منصبه بشرائه «فيلا» في إحدى المدن الجديدة بالقاهرة بأقل من سعرها بثلاثة ملايين جنيه، فإن ذلك البلاغ ظل محفوظا في مكتبه منذ اربعة اشهر ولم يتحرك قيد أنملة، وحين انتقد الدكتور عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة احدى مذيعات التليفزيون في اثناء اتصال هاتفي اجرته معه، وقدمت المذيعة هذه بلاغا ضده اتهمته فيه بالقذف في حقها، فإن البلاغ احيل على النيابة وجرى التحقيق معه بشأنه. وحين تحدث زميلنا الاستاذ مصطفى بكري في حلقتين من برنامجه التليفزيوني عن محاولة اغتيال اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات السابق، وهي المحاولة التي قتل فيها بعض حراسه وتعد جريمة مع سبق الاصرار والترصد، فإن الأمر قوبل بصمت من جانب النائب العام الذي لم يكترث به، ولم يأمر بالتحقيق فيه، وحين قال صاحب قناة الفراعين على الهواء ذات مرة إن 20٪ من القضاة مزورون، وقدم بعض القضاة بلاغا ضده إلى النائب العام، فإن صاحبنا تجاهله بعد اتصال من رئيس نادى القضاة الذى امتدح صاحب القناة، وقال على الهواء إنه «لا يجود الزمان بمثله»! بالتالي فإن الرجل لم يحاسب على ما قاله لمجرد انه كان حينذاك قد كرس قناته لمساندة الفريق أحمد شفيق في اثناء ترشحه لانتخابات الرئاسة، ومن المعلومات ذات الدلالة في هذا السياق أن النائب العام حجب في مكتبه منذ عام 2006 بلاغا أحالته عليه الجمعية العمومية لقضاة مصر خاصا بتزوير الانتخابات التي تمت عام 2005، ولم يشأ أن يحركه لأسباب مفهومة، كما أن مجلس القضاء الاعلى احال عليه بلاغات مقدمة ضد خمسين قاضيا، تضمنت أدلة واعترافات خاصة بتقاضيهم رشاوى من آخرين، إلا أن ذلك الملف مسكوت عنيه ولم يشأ الدكتور عبدالمجيد محمود أن يحركه لحسابات تخصه.
إننا بحاجة إلى أن نذكر الدكتور عبدالمجيد محمود بأنه يشغل منصبا يفترض في شاغله أن يكون نائبا عنا في مباشرة الدعوى العمومية؛ لإحقاق الحق والحفاظ على ميزان العدل في المجتمع. وما كان لمثلي أن يذكره بذلك إلا لأن مواقفه وممارساته تكاد تقنعنا بأنه يتأثر بأهوائه وحساباته الخاصة بأكثر من التزامه باستحقاقات منصبه؛ الأمر الذي يخشى أن يحوله إلى نائب عن بعض المصريين دون البعض الآخر، لذا وجب التنويه والتذكير.
