لا تنفك الإحصاءات والدراسات والاستطلاعات الرسمية والشعبية تدلل لنا على فشل ذريع في تحقيق أي نوع من أنواع التقدم والنهضة العلمية التي تحتاج إلى خطط وموازنات ضخمة توازي الموازنات المخصصة للدفاع والأمن والردع، و معظم الدول العربية، باستثناء النفطية، تعاني عجزا في كل جوانب الموازنة إلا أنها غلبت مؤخرا موازنات الدفاع والتسليح على موازنات التعليم والتأهيل والبحث العلمي متجاهلة عن قصد أن العلم والاكتشاف هما أدوات التطوير الحقيقي وتحقيق حياة فضلى وآمنة للوطن والمواطنين، ولكن عقل طغاة العرب يوجههم أن يستثمروا في أدوات البطش لا في أدوات البناء، فجسد بلا عقل كآلة أو دابة تتحرك بأمر من يسيرها ولكن العقل يفكر ثم يتحرك أو يتوقف وأصحابه لا ينفعون مع الطغاة الذين يريدون التلبية دون استفسار و الطاعة دون نقاش.
وقد أظهرت قائمة أربيان بيزنس Arabian Businessلأهم 500 شخصية الأكثر نفوذا في العالم العربي عام 2012 اسم 28 عالما فقط بنسبة 5.6% منهم خمس عالمات، وأن 52% من العلماء العرب البارزين يعيشون في الخارج وتحديدا في أمريكا وبريطانيا و فرنسا والبرازيل.
وأهم الدول التي جاء منها العلماء أصلا هي: مصر ولبنان بسبعة علماء لكل منهما، السعودية والإمارات بثلاثة علماء لكل دولة، قطر والجزائر عالمان، الكويت والسودان والأردن وسوريا بواقع عالم واحد لكل دولة، ومن هؤلاء: سامح دروزة الأردني مؤسس شركة الحكمة الدوائية، وإلهام القرضاي أستاذة الفيزياء النووية في جامعة قطر، وجراح القلب البريطاني من أصل مصري والملقب بملك القلوب مجدي يعقوب، والدكتور عبد الله النجار رئيس المؤسسة العربية للعلوم و التكنولوجيا في الإمارات، والدكتور فاروق الباز الأمريكي من أصل مصري ومدير مركز الاستشعار عن بعد بجامعة بوسطن.
ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء العلماء الأكثر نفوذا، و بالذات الذين يعيشون في الدول العربية، يحصلون على دعم حكومي في دول كالسعودية والإمارات لأبحاثهم التي تحتاج إلى مبالغ طائلة في مجالات خطيرة كعلاج أنواع السرطان والسكري و الأمراض الجينية، أما العلماء الذين يعيشون في الغرب فتحت أيديهم فرق عمل كاملة مؤهلة ومختبرات متخصصة ويعملون لسنوات متواصلة وأحيانا لا يصلون إلى نتيجة حاسمة ولكن تعتبر الملاحظات الجديدة التي تعلموها بالتجربة والخطأ إنجازا علميا بحد ذاتها وخطوة إلى الأمام في استكمال الاكتشاف العلمي.
الجدية في البحث في الغرب تجد من يكفلها سواء أكانت جامعة أو دولة لغرض النفع العام أولا و حرصا على السمعة الأكاديمية التي تحتاجها الجامعات والمؤسسات لتحصيل شهادات الجودة و التميز.
أما في بلادنا فتعرفون القصة فليس للعلم قيمة وأن تكون ممثلا أو مغنيا معناه أن تحصل الملايين و يتابعك الملايين أما إن كنت من نجوم العلوم "فغني في عبّك" إن تابعك غير عائلتك! كما أن الأبحاث ليس لها دعم و الحكومات العربية حولت الأساتذة من أول المراحل التعليمية إلى العليا إلى متسولين ينتظرون الإعانات والترقيات والزيادات لتحصيل حفنة ليرات!! فعن أي روح وأفق و إبداع نتحدث؟.
"سلطة الرئاسة تقوى و تضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس و زيادته ... لأن العلوم تكبر النفوس وتوسع العقول وتعرف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب وكيف النوال وكيف الحفظ". هكذا قال الكواكبي في طبائع الاستبداد فعندما كسر فينا الطغاة قيمة العلم كسروا فينا الإرادة والقدرة وأصبحنا كالهوام! ولما أفسد الساسة العلماء أفسدوا الشعوب فسهل استعبادهم، وعندما ينهض الشعب بعلمائه لن يطول مقام الطغاة هكذا علمنا التاريخ.
