يبدو أننا بلغنا مراحل جديدة في الحياة السياسية، فبعد عقود من ممارسات تدوير النخب التي قصرت الحكم والمناصب على عائلات معينة، وكأن السياسة مصلحة عائليةfamily businessتنتقل وتتوارث من الجد الى الابن الى الأحفاد و الفروع! وصلنا الآن الى مرحلة أشد خطورة هي إحراق النخب واغتيال الشخصيات الاعتبارية و»الفهمانة» والمؤهلة؛ بضمها الى أسراب المنتفعين والوزراء وأصحاب الألقاب والجوازات الحمر الذين باعوا مصلحة البلد والشعب، مقابل راتب تقاعدي ولقب الدولة أو المعالي!
كان غريباً -على أقل وصف- اختيار عشيرة ذات تاريخ مجيد لتشويه سمعتها؛ بابتعاث أحد أبنائها إلى تأدية دور مرفوض من كل فئات الشعب الوطني الأصيل، ثم لم تصبح غريبة بعد أن تم اختيار معارضي الأمس ليصبحوا موالي اليوم، وكأن السلطة تريد أن تثبت أن لا أحد فوق الشراء، وأن كل السياسيين الموالين والمعارضين والأبيض والأسود والرمادي وما بين البينين كلهم بلا استثناء قابلون للمساومة والاستقطاب، ولوضعهم تحت الجناح!
ألم يتعلم السياسيون من أصحاب الأفكار والمبادئ من تجربة الخصاونة الذي جاء مسنودا بعدالة القضاء، مطالبا بالولاية والتمكين، فخرج منها بخفي حنين محافظا على بقية باقية من احترام الشعب له؛ لرفضه أن يكون «طرطورا» بلقب رئيس وزراء؟!
ألم يستمع السياسيون الى تصريح أحد الوزراء السابقين في قضية الكازينو من أن كثيرا من الوزراء «غايبين طوشة»، يوقعون على قرارات لا يعرفون ألفها من يائها؟!
ماذا يستفيد المسؤولون والمستشارون في الطوابق العليا من استهداف النخب وحرقهم، مع علمهم المسبق أنهم لن يستطيعوا فعل أي شيء سوى تنفيذ مزيد من القرارات ضد مصلحة الشعب؛ بسبب الأوضاع الاقتصادية المرشحة لمزيد من السوء، والتي لا تدع مجالا لمخلص ولا مبدع ولا مصلح، فالمواقع السياسية والحكومية مكبلة بشروط الداخل وإملاءات الخارج ومن يرغب بالحركة خارج الحدود المرسومة والموازنات سيأخذ استمارة 6 (الفصل من العمل) ويخرج من البوابة الخلفية بسوء السمعة والتقريع!
ممارسات حرق النخب ليست جديدة فقد تحدث عنها الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» قبل أكثر من 100 عام، وأوضح أن السلطة تحاول استمالة من أسماهم الأصلاء وهم ثلاثة أنواع من الناس: «بيوت علم وفضيلة، وبيوت مال وكرم، وبيوت ظلم وإمارة، والأصلاء مطمح نظر المستبد في الاستعانة وموضع ثقته، وهم الجند الذي يجتمعون تحت لوائه بسهولة، والمستبد يذلل الأصلاء بكل وسيلة حتى يجعلهم مترامين دائما بين رجليه؛ كي يتخذهم لجاما لتذليل الرعية، والاستبداد ينمي في المقربين من السلطان حب التسفل بدل حب الترقي!».
لقد جربنا كل أنواع الحكومات ما بين كاملة الدسم ومنزوعة الدسم، فلم تغن عنا شيئاً! وبقي جوعنا وعطشنا للإصلاح على حاله، ولن يتغير الا إذا أصبحت قرارات الحكومات بأيدها، وشورها من رأسها.
الحرق ينتشر عندنا، فالسلطة تحرق النخب لأغراضها، والمواطن يحرق نفسه من الطفر واليأس، والنار تخلف رمادا عسى أن يكون بينها وميض شرارة التغيير، وتكون نار النور والخير لا ناراً تأكل الأخضر واليابس.
