في صالة الإسعاف يختلط الحابل بالنابل والصراخ بالبكاء والطلب بالرجاء، من مريض مصدوم وممرضة راكضة بورقة طلب الدم وأهل قلقون يرجون الطبيب أن يسرع على مريضهم المخطر ! يقول الله تعالى «حتى إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق». يعتبر قسم الطوارئ والعيادات الخارجية »أنف وفم» وواجهة أي مؤسسة صحية منه تأخذ الاسم أو ينكس ويكنس بها الأرض. مريضنا المصري الذي جاء كانت ذراعه في حالة خطرة إنه حادث مروري من جديد.
ما أكثر من لايضع حزام الأمان ولا يتقيد بالإشارات المرورية ولايحترم زميله في الشارع فيتسابقان ويتنافسان وكل يضرب بـ«الزمور» بدون رحمة. قال الشاب الوسيم، -مصري الجنسية- لقد تفاجأت أنه انحرف نحوي فلم يكن أمامي إلا الهرب منه. -كيف أعد كلامك؟ قال كنت أقود سيارتي بشكل سليم ولكن القادم من الطرف المقابل حاد عن طريقه واتجه نحوي مباشرة! تعجبت من القصة وأخذت المريض فورا إلى قاعة العمليات بعد الترتيبات الضرورية. كانت الإصابة شديدة تطلبت إصلاح الشريان المصاب وتصليح العظم المكسور ليكتمل العمل لاحقا بترقيع جلدي لمنطقة الساعد. أخذت صورة توثيقية للعملية والمريض (باسم) ولكنني أحببت المزيد عن ملابسات الواقعة.
قلت له ثم ماالذي حدث بعد أن توجه السائق المضاد تجاهك ؟ قال هربت منه وكان الطريق ضيقا فهويت في حفرة فأصابني ما أصابني، أما الرجل المواجه فقد مضى بسيارته بهدوء حتى استقرت به على جنب الطريق دون أن يصاب بأذى! تابع مريضي المصري يادكتور هل تعلم ماذا جرى للسائق من الجهة المقابلة؟ قلت طبعا لا ؟ قال لقد جاءته نوبة قلبية مات خلالها ففقد السيطرة على المقود واتجه لايلوي على شيء. تصور الآن لو أننا تصادمنا لنكتشفه ميتا فأُتهم به؟ هذا ما جرى، قدر الرجل أن يموت بهدوء وأنا أتعرض لحادث فأنجو فلا أتهم بأنني من قتلته؟ الحوادث من هذا النوع عجيبة غريبة روى لي صديقي العلوان عن موت خاله أنه كان في الصحراء مادا رجليه متمتعا بالمناخ بجنب الطريق السريع فلم يطل الوقت حتى انقضت عليه سيارة بسرعة جنونية انحرفت عن الطريق الرئيسي السريع وكل الطريق فارغ! لا… إنها أبت إلا أن تعمل الحادث هنا ويطير الرجل بسيارته فيحط «كجلمود صخر حطه السيل من عل»، ليقضي على خال صديقي.
هناك نظرية تقول لو أن فراشة ضربت بأجنحتها في سان فرانسيسكو فلربما أحدثت (تيفونا) في بحر اليابان، ذلك أن الكون وحدة مغلقة؛ فتؤثر أي حادثة في كل الحوض الكوني على نحو ما، وهذه هي نظرية القدر الكوني فليس لنا ثمة سيطرة على أقدارنا وموتنا وحياتنا ضرا ولانفعا ولاموتا ولاحياة ولانشورا.
