{وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} الأنعام 153
أصيب الكثير من الناس ببلاء العمى في البصيرة، فصاروا يساوون بين الحق والباطل بحجة الحفاظ على الوحدة الوطنية، ووحدة النسيج الاجتماعي، والسير إلى الأهداف الوطنية بأجنحة الوطن... إلى آخر هذه المصطلحات والمسميات الجميلة!
عجبت من حماس! منذ قيامها ما انفكت تدعو للحوار، فهي لا تنفي الآخر، تتفاعل مع الجميع بروح الجماعة والمسؤولية حتى بعد فوزها في الانتخابات بأغلبية ساحقة قطعت قول كل خطيب أو مزاود!
دعونا نسرد في عجالة عددا من الحقائق...
ألم تكن حماس تدعو في برنامجها الانتخابي إلى تشكيل وحدة وطنية تكون وحدة ممانعة تقي شعبنا الشرور والفتن التي كانت تحضر لها الإدارة الأمريكية تحت عنوان: ' الفوضى الخلاقة' بهدف تنفيذ أجندتها الخبيثة في كامل المنطقة فيما اصطلح عليه باسم: 'الشرق الأوسط الجديد'، وقد سُمِح لحماس بدخول اللعبة الديمقراطية عبر وكيلها 'عباس' الذي تغنى بها حتى الثمالة! وأدركت حماس حينها أن الإدارة الأمريكية التي تقطن في البيت الأبيض لا تُكِنُّ لشعبنا إلا السواد، فعمدت إلى قاعدة استعمال الجمع بين المتناقضات الفلسطينية في بوتقة 'نقاط الالتقاء' رغم إدراكها سلفاً أن هذه النقاط أقل مما يتوهم البعض.. فمناط الأمور لا يقف عند شعارات الانتخابات فحسب بل الوقائع اليومية تصدق أو تكذب الشعارات..
ألم تدعو حماس بعد فوزها في الانتخابات إلى تشكيل حكومة ائتلاف وطني تلتقي فيها الفصائل جميعاً عند نقطة واحدة، وخرج يومها 'الساقطون' لينبذوا ديمقراطيتهم العوراء، ويعلنوا عداء حماس وبرنامجها حتى لو جاء من رب العالمين على حد قول عزام الأحمد!! وليعلنوها في الساحات والمهرجانات أن من العار المشاركة في حكومة تقودها حماس! ورفضت الفصائل يومها بفعل الضغوط الأمريكية أن تشارك في الحكومة العاشرة وعول الكثير على سقوط الحكومة في وجه سيول المؤامرات في شهر أو شهرين أو ثلاثة لكنهم فشلوا !
ورغم الكيد العظيم للحكومة العاشرة وتنفيذ خطط الفوضى الأمريكية الهدامة من قبل وكلائها التنفيذيين على الأرض إلا أن حماس عضّت على الجراح وحلت حكومتَها وذهبت إلى اتفاق مكة بكل صدرٍ رحيبٍ أملاً في أن ترجع 'فتح' إلى صوابها وأن يطير الوطن بجميع أجنحته!! إلا أن حسن النية هذا لم يقابل إلا بالعناد المستطيل...رغم كل النداءات والمؤتمرات والندوات التي حثت الجميع على لملمة الصف آنذاك، فقد كانت 'رايس' بجنودها المرتزقة حاضرة بقوة في الشارع!
ثم جاء الحسم العسكري على قاعدة 'آخر الدواء الكي' بعد استنفاذ كل طرق العلاج السلمية، لأن العبيد لا يفهمون إلا بالعصا الغليظة ولا تنفع معهم الكلمات الواعية... وجاء مع الحسم العسكري هم آخر اسمه..الحياد!!
ورغم أن الحسم العسكري جاء بعد فترة دامية أريد من خلالها القضاء على معاقل المقاومة وتشتيت أفكارها وإلهائها بمعارك جانبية.. ورغم أن حماس أعلنت مباشرة بعد الحسم أنه غير موجّهٍ لحركة فتح، وإنما لعصابة مارقة متأمركة متصهينة بلغت خيانتها النخاع! إلا أن الأعور يظل أعوراً، والتصيد في المياه العكرة كان سيد الموقف لكثير من الفصائل الصغيرة ! فصارت حماس في خانة 'الإرهاب' وفتح في خانة 'ضحايا الإرهاب' والبقية في خانة 'الحياد السلبي'..!
حماس إلى اللحظة مازالت تتعامل بمنطق الوحدة والتجمع، ولا زالت تدعو إلى الحوار الذي أصبح سبة في نظر جماعة دايتون.. ومازال أبناؤها يُعتبرون فئة محظورة خارجة عن القانون ويسجنون ويعذبون ويحرمون من أبسط الحقوق السياسية رغم فوزهم الساحق! بينما الفتحاويون يسرحون ويمرحون في غزة- عارضنا أم اتفقنا- ويقبضون من رام الله بغير وجه حق، وتعلمون جيداً أن 'العواطلي' الذي يملك المال هو أداة خبيثة في يد كل مجرم!
بعد كل هذه الحقائق الناصعة التي لا ينكرها إلا منافق متحزب أعمى، هل هناك مجال للحياد؟! وما هو المعنى الحقيقي للحياد؟!
هل معنى الحياد أن أقف واسطة بين المقاومين و المتأمركين!
هل يعقل أن نسمع بشكل متكرر المساواة بين من يجلد ويحاصر ويعذب من قبل أعداء الشعب الفلسطيني، وبين من يقبل ويعانق من قبل ذات العدو؟!
هل ما زال الحق مشوشاً على هذه الفصائل إلى هذا الحد؟!
يا أيتها الفصائل المقاومة.. إن لم تكونوا على قدر كلمة الحق فاصمتوا ولا تدّعوا الحياد، ولا تقولوا لنا أنكم تقفون في منتصف الطريق، لأنه لا طريق اليوم للحق إلا واحداً ! إما أن تكون مقاوماً حقيقياً أو مساوماً، وببساطة شديدة قل لي من يدعمك أعرف من أنت! وقل لي من يعاديك أقل لك من أنت!
لقد عجبنا من حياد بعض الفصائل الصغيرة بعد كل هذا العناد من فريق دايتون، ولقد أصبح هذا الحياد أقرب إلى السذاجة منه إلى الإصلاح المدعى! بل هو تصيد حزبي في الماء العكر لا أكثر..
إن الوقوف على الحياد يعتبر مشاركة في الجرائم السياسية والقانونية والأخلاقية التي تقوم بها جماعة دايتون في الضفة الغربية، بل إنها وصمة عار على كل من رأى بعينه وسمع بأذنه كيف يهان ذوي الشهداء هناك، وكيف تقمع المقاومة بالتصريح لا بالتلويح وبكل تبجح وصلف، وكيف تهود القدس ويستبيح حماها الطاهر أرذل البشر من المستوطنين وغيرهم بينما اللقاءات والحفاوات وأكلات 'المقلوبة' تتبادل بين المفاوض الفلسطيني والعدو الصهيوني...
إن القضية الفلسطينية الآن تحتاج لكل صاحب ضمير حي، وقلب شجاع، وفكر واضح لا لبس فيه ولا ارتزاق ولا تبعية، ليعلن أن ثوابت الشعب الفلسطيني الآن تنتهك، وحرمات المجاهدين تداس باسم 'حفظ الأمن'، فهلا قطعتم دابر المنافقين والمرجفين بقولة حق في وجه سلطان جائر قبل أن تقولوا يوماً: 'أكلت يوم أكل الثور الأبيض'، لأن المجرمين لا يعرفون مبادئ الوحدة، بل تنطمس عند مصالحهم ومآربهم كل المعاني الإنسانية والأخلاقية، وجريمة حصار المقاومين في 'مخيم عين الماء' حاضرة شاهدة، فهلا وعيتم!
نقول للفصائل التي 'تلف وتدور' أن القضية الآن على المحك، وأن هناك فرزاً واضحاً يجري تعميقه في المنطقة بين مقاومين لمشاريع التصفية، وراكبين في مراكب أمريكا والصهاينة، فاختاروا مع أيهما تركبون... أما الحياد بعد ذلك تهمة لكم لا مكرمة..!


