الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:39 م

مقالات وآراء

كثيرون حول الوطن

حجم الخط

 

الهند، جنوب إفريقية، أمريكا وأمريكا اللاتينية وأخيرا بعض البلاد العربية التي تاقت الى الحرية والعدالة، كلها عرفت ومارست أرقى أنواع التعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق المدنية، والمعروف سياسيا بـ»العصيان المدني» civil disobedience الذي استبدلنا به حكمة وبعد نظر في الاردن بكلمة الحراك، حتى نبتعد عن ظلال العصيان السلبية، وكلمة المدنية والتمدن والحضارية هي مربط الفرس في هذه الممارسة التي أعطتها -وتعطيها- شرعيتها واحترامها وقبولها في المجتمع الانساني والدولي، وهذا النوع من التعبير الحضاري الذي ضربت جذوره في التاريخ الانساني النضالي ليس حركة اعتباطية ولا فوضوية ولا تخريبية، بل كُتبت فيه كتب، ووضعت له نظريات من أشهرها نظرية ثورو، وأصبح جزءا من القانون كما في فرنسا مطلع الثورة، وله قواعد أخلاقية وسلوكية تضمن ممارسته بالصورة الأمثل التي تحقق الأهداف المرجوة، وحتى يطلق على المسيرات والتجمعات صفة المدنية يجب أن تكون سلمية، وذات أهداف جماعية ومبادئ عليا لا تخدم مصالح ضيقة، ولقد وضع غاندي -الزعيم الهندي الذي كان من أشهر من مارسوا العصيان المدني- مجموعة قواعد للمشاركين فقال:
1. لا يجب على المقاوم المدني أن يداخله غضب، بل يجب عليه أن يحمل غضب الخصم، ولا يرد عليه.
2. يجب على المقاوم المدني أن يحافظ على ممتلكات الدولة، وألا يهين موظفيها.
وإذا قسنا هذه المبادئ النظرية على الحركة الإسلامية، وهي احدى الأطراف الداعية الى مسيرة «إنقاذ الوطن» في 5-10-2012، لرأينا أن لها تاريخا لا ينكره أحد من الرشد والحكمة منذ أن نشأت مع نشأة الإمارة، وقد كانت -وما زالت- جزءاً أصيلاً من مكونات الدولة والشعب، وكان لها جهودها الاجتماعية في سد ثغرات الحكومة وتقصيرها من خلال مؤسساتها الاجتماعية التي امتدت لتشمل كل أنحاء الأردن، ولكم ساهمت الحركة الاسلامية في نزع فتيل واحتواء أزمات كثيرة، وضبط الشارع والشباب المتحفز وتوجيه الطاقات لما فيه مصلحة وخدمة الوطن، وقد سعت مع غيرها من الأطراف السياسية، وانضوت تحت كل راية تريد خدمة واصلاح الوطن، ولم تدع طريقا غير مسدودة الا وسلكته؛ لتجنيب الشعب ويلات تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، ولعل السنة الماضية من الحراك السلمي أكبر شهادة حسن مواطنة وانتماء لجميع الاصلاحيين، الذين قدموا مصلحة الأردن فوق ما دونه،
ومطالب الإصلاحيين ما زالت ذاتها لم تتغير بالاصلاحات الدستورية والحكومية والبرلمانية والقضائية والقضاء على الفساد، وتلفيق الصحافة الصفراء، والخفافيش من الكتاب المرتزقة المأجورين المأزومين بالعربية والانجليزية داخل الأردن وخارجه، ما هو الا محاولة فاشلة لإيجاد فتنة سيطوقها بإذن الله عقلاء الأردن شيبا وشبابا بالاحتواء ومقابلة السيئة بالحسنة.
إن من يمنع الشعب الأردني من حقه في التعبير السلمي، ولو خرج عن بكرة أبيه يسيء الى صورة الأردن الحضارية التي حاول النظام جاهدا تسويقها كنموذج احتوائي ومتوازن ناجح، يسع كل أطراف اللعبة السياسية.
إن من يعملون في السراديب والمكاتب المظلمة، ويحرضون النظام والشعب على بعضه البعض، لا يبغون مصلحة النظام ولا الشعب ولا يقرؤون المتغيرات حتى لو كان عندهم «الجهبذ» العم توني صاحب الاستطلاعات الشهيرة، وهو لا يرى من برجه العاجي، وهم لا يرون أن الشعب بدأ يتململ، وأن دائرة الاعتراض بدأت تتسع لتشمل من كانوا يمثلون شبكة الأمان safety net، وما وجود 77 حراكا حتى اللحظة من أقصى الأردن الى أقصاه الا إثبات على أن بوصلة الولاء تتجه باتجاه الوطن ولا شيء سواه.
ومع هذا فقد عُرف عن الشعب الأردني أنه يسع بعضه بعضا مهما اختلفت الأطياف والآراء، من أقصى اليمين الى اليسار، ويداري حكماؤه سفهاءه، فالاتفاق على الوطن وحقوق المواطن هو المظلة التي تسع الجميع، ومن لم يدرك بعد أن الوطن هو المستهدف الأول اذا استمر الوضع الراهن، فهو أخرق قد غرته الأماني، وأسكته ربما شراء ذمته بالاعطيات والمكرمات.
لن نشارك في مسيرة «إنقاذ الوطن» لأجل الحركة الإسلامية وشركائها فحسب، بل لأجل أصغر طفل في طرف البادية الأردنية يحق له أن يكبر منتصب القامة، مرفوع الهامة، كامل الحقوق والمواطنة.
المنادون بالإصلاح خرجوا من رحم هذا الوطن ولأجله، وهم ان كانوا كثرة فهي كثرة في ميزان الوطن، وثروة له وهم له ولن يكونوا عليه أبدا، ونرجو أن يكون هناك في الطوابق العليا من يسمع الصوت ويتصرف بحكمة على أساسه، فالحكم ليس مكانا لاستعراض القوة، بل لتحقيق مصالح الشعب، وهذا ما يجعل الحكومة قوية بحق يدافع عنها الشعب، قبل أن تدافع عن نفسها
أما الحراكيين، ومن بينهم الإسلاميين، فبيننا وبين الناس دائما شعرة معاوية لا نقطعها وان قطعوها، وان كانوا لا يفهمون حرمة الوطن والمواطن فنحن نفهمها ونجلّها، وليس الجاهل كالعالم. قال غاندي: «كثيرون حول السلطة قليلون حول الوطن!»، ففي أي الموازين تضع نفسك؟