الحصار على غزة ليس صناعة إسرائيلية حصرية. وإنما هو صناعة مشتركة تضم رئيس السلطة وآخرين. قد تكون (إسرائيل) قائدة الحصار، ولكن انتقادات السلطة الأخيرة غير الموزونة لزيارة إسماعيل هنية إلى القاهرة تؤكد أن قيادتها شريكة في حصار غزة. ولأن حصار غزة ليس صناعة إسرائيلية بحتة، وجب على حكومة إسماعيل هنية أن تتحرك في الساحات العربية والإقليمية من أجل رفع الحصار بعد المتغيرات الكبيرة في مصر وغيرها.
ليس لقضايا (الكهرباء- والمياه- والوقود- والتجارة) حلول ذاتية تقوم بها غزة بمعزل عن مصر وعن دول الإقليم. غزة لا تملك مصادر طبيعية كافية لحل هذه المشاكل، وتقرير الأمم المتحدة الأخير دق ناقوس الخطر، بعنوانه: هل غزة صالحة للحياة في 2020م؟. التقرير دعا حكومة هنية، والسلطة، ودول العالم لكي يتحركوا من أجل الحياة في غزة المحاصرة.
لقد استجابت حكومة هنية لنداء الواجب، وتحركت نحو القاهرة للقاء رئيس الوزراء المصري هشام قنديل لإجراء مباحثات ثنائية معه من أجل استقطاب دور مصري فاعل في الحل، بعد أن منّ الله على غزة برحيل مبارك. إسماعيل هنية التقى من قبل أردوغان في تركيا، وحمادي الجبالي في تونس، ونجاد في طهران، وأمير الكويت، وأمير قطر، وأمير الإمارات، للغرض نفسه، فلماذا تثور ثائرة عباس وبطانته للقاء هشام قنديل؟!
عباس وبطانته يخشون على (التمثيل)؟! والتمثيل ليس غرضاً لزيارات إسماعيل هنية الخارجية، ولا هدفاً لها، وهو في الوقت نفسه ليس احتكاراً حصرياً مؤبداً لمحمود عباس وبطانته. ومن ثم فإن النظر إلى الأمور من الزوايا الضيقة، وإغفال المساحات المشتركة الواسعة دليل على حالة مرضية تحتاج إلى علاج سريع. أمراض السياسة كأمراض الأبدان تحتاج مشافي علاج، وغرف إنعاش.
غزة ليست مجتمعاً من الدرجة الثانية. غزة بها مواطنون من الدرجة الأولى كإخوانهم في رام الله ونابلس، وهؤلاء يبحثون في ليلهم ونهارهم عن حلول لمشاكل (الكهرباء والمياه والوقود والتجارة)، وقلما يخطر في بالهم من القائد، ومن الممثل الشرعي، لأن قائدهم وممثلهم بكل بساطة هو من يحل لهم مشاكلهم اليومية.
الشعب في غزة لم يسمع كلمة واحدة لمحمود عباس في مسألة رفع الحصار، أو مسألة حل مشكلة الكهرباء، ولم تتقدم السلطة أو (الممثل الوحيد) بطلب واضح لا لـ(إسرائيل) ولا لغيرها بطلب رفع الحصار، وحل مشكلىة الكهرباء، والتجارة، ولقد كان الرئيس محمد مرسي مصيباً ومحقاً حين عاتب محمود عباس مؤخراً على موقفه السلبي هذا.
عباس يريد أن يحتكر التمثيل الفلسطيني حتى ولو ماتت غزة أو شربت من ماء البحر، ويحرض إعلامياً وسياسياً على مصر الثورة حتى لا تشارك حكومتها في حل مشاكل غزة، وفي فعله نقول: ( لا بترحم.. ولا بتخلي رحمة الله تنزل؟!). ونقول: ماذا يضيرك أو يضير (التمثيل) أن تشارك مصر قطر وغيرها في إنشاء منطقة تجارية حرة، أو تشاركها في حل مشكلة الكهرباء والوقود؟!
زيارة إسماعيل هنية لم تكن (للتمثيل) ولا (للانقسام)!! كانت من أجل أن يصدر المزارع والصانع في غزة بضاعته، وكانت من أجل كهرباء تضيء المستشفيات والمدارس والمنازل، وكانت من أجل المسافرين والمدرجين على قوائم الممنوعين، وهي زيارة تعالج فشل رئيس السلطة نفسه في تحمل مسؤولياته نحو غزة المحاصرة. وآخر من تستمع له غزة هم من فشلوا في حل مشاكلها الحياتية اليومية.
