السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 06:40 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

الكنانة وفلسطين /3

حجم الخط

 

* مدخل

هذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة من هذه السلسلة التي هي في الأصل كلمة ألقي موجزها في ملتقى القدس الذي يعقد سنوياً ويتضمن عدة نشاطات. وكنا تكلمنا في الحلقتين السابقتين عن التاريخ وعن علاقة مصر بفلسطين وسيناء بالذات، وذلك من خلال قصص القرآن ويوسف وموسى بالذات.

 

والعجيب أن كتب قصص القرآن ما تركت نبياً إلا وجعلت له رحلة إلى مصر إن بحق وإن بغيره. لكن هذا بحد ذاته مؤشر على مركزية مصر، ومحورية مكانتها ودورها وموقعها الجيوسياسي كما يقول جمال حمدان عن مصر في عبقرية المكان.

 

فعيسى كما قالوا زار مصر ويحيى زار مصر وإبراهيم زار مصر، ولا يكادون كما أسلفت يتركون أحداً إلا «ويزورونه» مصر.

ويكفي مصر أن واحدة من أمهات المؤمنين من مصر هي مارية القبطية. وزعموا بحق أو بغيره أن هاجر امرأة إبراهيم وأم إسماعيل أبي العرب مصرية، فتكون اكتملت الحلقات وأحطنا بمصر من جميع الجهات.

 

على أننا لسنا أنانيين إذ نتكلم عن هذه الصلة، لكن شروط الزعامة متوفرة في مصر ولا يجوز لها أن تتخلى عن موقع وضعها الله فيه.

فإلى الحلقة الثالثة نبتديء باللغة ثم عن إدراك العدو لمكان ومكانة مصر ثم خلاصة وتوصيات.

 

* «كنن» في لسان العرب

قال ابن منظور في اللسان في معاني الجذر كنن: «كنن: الكِن والكنة والكنان: وقاء كل شيء وستره. والكن: البيت أيضاً. والجمع أكنان. وفي التنزيل العزيز: «وجعل لكم من الجبال أكناناً» وكل شيء وقى شيئاً فهو كنه وكنانه. وأكن الشيء: ستره وفي التنزيل: «أو أكننتم في أنفسكم» وفي التنزيل كذلك: «كأنهن بيض مكنون» أي مستور عن الشمس وغيرها. ومن معناه: مصون. والكنانة: جعبة السهام تتخذ من جلود. وكنانة: قبيلة من مضر». أ.هـ. بإيجاز شديد.

 

قلت: ولم يتعرض اللسان لوصف مصر بالكنانة أو أرض الكنانة، لكن المعاني اللغوية منطبقة على مصر: فهي وقاء الأمة ودرعها عبر التاريخ، وإن أراد لها الخونة أن تنكفي وتتخلى عن رسالتها. وأسوأ دعوة: القطرية المقيتة وهي أسرع السبل للانتحار والاندثار والانهيار.

ومصر مصونة إذ يسميها أهلها: مصر المحروسة، وهي جعبة السهام أي مستودع الرجال ومستودع القوة والطاقة، والقوة الناعمة والخشنة مستقرها مصر، والعالم العربي بلا مصر خفيف الوزن قليل الحيلة قليل الدفع والنفع! ومصر «بيت العرب» وقد جاء وقت زمن ناصر كانت جامعات مصر مفتوحة بالمجان للعرب والأفارقة والآسيويين.

 

وقال في المعجم الوسيط: «كن الشيء كنوناً: استتر. وكن الشيء كناً: ستره. وأكن الشيء: كنه. «إن ربك ليعلم ما تكن صدورهم» كنَّن الشيء مبالغة في كن، يقال: اكتنت المرأة إذا غطت وجهها حياء. استكن الشيء: استتر. والكنان: الغطاء. «وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه» الكنانة: جعبة صغيرة من أدم للنبل. والكنانة: أرض مصر على المجاز. والكن: كل ما يرد الحر والبرد من الأبنية ونحوها والجمع أكنان وكنان: «ومن الجبال أكناناً» والمكنون: المستور عن الأعين» «في كتاب مكنون».. الخ.

 

* العدو أكثر إدراكاً لأهمية العلاقة بين مصر وفلسطين

حرص العدو من وقت مبكر أن يخرج مصر من معادلة الصراع، واستغل وجود قيادة عميلة معجبة بالغرب مفتونة به هي السادات ثم مبارك، لتعميق الشرخ بين مصر والعالم العربي. فبدأ السادات من قمة انتصار الجيش المصري في حرب رمضان/ أكتوبر73 من تلك النقطة بدأ عرض السلام مع «إسرائيل» والذهاب إلى القدس. فكأن النصر ما أنجز، وكأن الحرب ما كانت حرب تحرير وإنما حرب تحريك لعملية سلام. بدأها السادات! ورفع السادات شعار مصر أولاً وأراد به عزل مصر عن محيطها العربي، وأن مصر تعبت من القتال من أجل «الآخرين» وبالذات من أجل فلسطين.

وإنه في الوقت الذي لا يجد المصريون فيه الفول والطعمية يتمتع غيرهم بخيرات وفيرة وحياة رغدة كريمة، فلماذا نضحي من أجل الآخرين؟ هكذا كان منطق الإعلام المصري! ثم جاء مبارك فتجاوز السادات بسنوات ضوئية في التبعية! وفي إقصاء مصر عن محيطها العربي.

وبرز من الإعلاميين التابعين للسياسات الرسمية المصرية من كرر النغمة ذاتها والمعزوفة المعروفة إياها، حتى عمقوا في وجدان بعض فئات الشعب المصري هذه القضية. ولكن الجمهرة في الأعماق بقيت مع فلسطين! وسلوك المصريين نحو غزة برهان على ما أقول!

ولأن العدو أكثر إدراكاً لأهمية العلاقة بين مصر وفلسطين وقطاع غزة بالذات فقد قام بعملية قتل الجنود المصريين، وحرك أدواته في مصر من فلول نظام مبارك ورجالات الإعلام العملاء والمرتزقة، فكان هتافهم من أول ساعة ضد فلسطين وضد غزة وضد المقاومة وضد حماس.. فما سر هذا الهجوم؟ إن هذا بحد ذاته يكشف اليد التي صنعت أحداث رفح المصرية وعملية سيناء. إنهم الأعداء وليس مهماً من ينفذ وتحت أي شعار. فالحمقى كثر. والعملاء كذلك.

 

* خلاصة وتوصيات

 

القرآن العظيم كنزنا المعرفي وكنزنا الاستراتيجي وراسم خارطة طريقنا نحو العزة والمنعة والنصر والتمكين، وقد بين كتابنا الرابطة الوثقى بين مصر وفلسطين وكيف ينبغي أن تكون.

 

وبيّن واجب النصرة وحق الأخوة، وما علينا إلا لنعمل لتفعيل هذه القيم، كما يعمل العدو لتفكيك منظومة هذه القيم من أمثال محطة «الفراعين» وغيرها كثير من محطات التجهيل والتضليل وخدمة مخططات العدو.

 

ولئن كانت محطات الفجور تنتشر في الفضاء العربي انتشار الفطر، فإن واجبنا الحتمي مقارعة ما يجري في عالمنا العربي وإعلامنا العربي من تدمير الأخلاق ومنظومة القيم.

 

أن تكون كنانة الله مصر هذا شرف ما بعده شرف، وأن تكون مصر الكنانة مستودع الطاقة والرجال والأبطال والقادة والعلماء والرواد والمبدعين وصناع الحضارة فهذا اختيار الله، وأن تكون مصر الكنانة لفلسطين ومع فلسطين وللقدس وللأقصى مهما بلغت التضحيات فهذا اصطفاء لا يحوزه أحد، أضف إلى أنه منطق الدين والعقل والسياسة والتاريخ والجغرافيا والواقع والاستراتيجية والمصلحة، فبأي حديث أو منطق بعده يتكلمون.

 

وإنما تعظم الأمم والشعوب بالتضحيات وبذل الإمكانات لا بالانكفاء على الذات وادخار الطاقات، وما جرى في مصر من تحولات نصر للقدس والأقصى والمقدسات، ومصر لن تكون إلا عند الأمل بها وعند أقدار الله لها.

 

والسلام عليكم ورحمة الله والبركات.