الموقف الروسي من الأزمة السورية مشين. والموقف الأمريكي الغربي منها مشينٌ أيضًا. وموقف النظام العربي مجتمعا ومنفردا هو دون المطلوب. وموقف النظام السوري فاسد واستبدادي. ولبيان ما تقدم أقول:
المفترض أن الحكم هو عقد بين الحاكم والمحكومين وشرط العقد أن يحرس الحاكم دين الأمة ويسوس حياتهم فيوفر لها التعليم والصحة والمسكن والحرية والكرامة وخلاف ذلك من الأعمال التي تقوم بها وزارات الحكم، ومن حق الأمة أن تفسخ هذا العقد مع الحاكم إن رأته لا يقوم بواجباته ويستأثر بمال الدولة وإدارتها بما يخدم مصالحه ومصالح عائلته وعشيرته وطائفته.
وقد حددت النظم الديمقراطية آلية الانتخابات كل أربع سنوات لفسخ العقد مع الحاكم من خلال صندوق الاقتراع، والاتيان بغيره إلى قصر الحكم، فإذا لم تتوفر آلية ديمقراطية لفسخ العقد كانت الثورة هي الآلية البديلة لذلك وهي آلية غير محببة للنفوس لأنها عنيفة وفيها جراحات مؤلمة ودماء، وأحسب أن ما وقع في سوريا لا يخرج عن هذا الوصف، لذا نقول إن قتل النظام السوري لشعبه بماله وسلاحه هو عين الفساد والاستبداد، والحديث عن مؤامرات خارجية وداخلية هو نوع من دفاع الحاكم عن بقائه في الحكم واستبقاء استبداده، واستئثاره بالسلطة وبالمال وهذا النوع من الحكام غير مؤتمن على القيام بإصلاح ديمقراطي يقوم على قاعدة (العقد بينه وبين الأمة)؛ لأنه يمارس القتل والهدم يوميًا ضد الأمة.
إذا كان موقف النظام من الأمة السورية فاسدًا واستبداديًا وفيه نقض مشين للعقد المنظم للحكم، فإن الموقف الروسي المؤيد للنظام والمدافع عنه هو حماية للاستبداد، وللتصرفات الفاسدة بل هو عدوان روسي غير مباشر على الأمة السورية وعلى حقوقها بموجب عقد الحكم في الأنظمة الديمقراطية. ولا يصح ولا يجوز لروسيا أن تبرر موقفها بمصالحها أو بالتدخلات الأمريكية؛ لأن الاعتراف بمصالح الآخرين في الدول لا يقرره الحاكم بل يقرره الشعب؛ لأن الشعب دائم والحاكم زائل، وكما لا يقبل الشعب الروسي أن يقصفه (بوتين) بالطائرات والصواريخ فعليه أن يرفض قصف (بشار) لشعبه لأن هذا هو الأصل والمصالح المتبادلة فرع.
إنه إذا كان الموقف الروسي مشينًا لأن فيه عدواناً غير مباشر على الشعب السوري فإن الموقف الأمريكي الغربي أيضًا مشينٌ لأنه انتهازي ولا يقوم على أخلاق عملية، ويخضع لمكاييل متعددة فبينما هو يرفض أسلوب التعامل الدموي مع المتظاهرين إعلاميًا فهو يرتضي هذه المعاملة الدموية عمليًا؛ لأن الضحايا هم من العرب والمسلمين وليسوا من اليهود أو النصارى. ولو كان الأمر هذا في أوروبا الغربية أو الشرقية لما وقفوا متفرجين يناقشون النظريات ويقلبون المواقف ولخرجوا إلى حل عملي من داخل مجلس الأمن أو من خارجه كما حدث في كوسوفا.
وإذا كانت الأطراف الدولية بين مشارك غير مباشر في العدوان والقتل وبين انتهازي متفرج ينتظر العاقبة فإن الموقف العربي الرسمي مشينٌ أيضًا لأنه يتصف بموقف العاجز الضعيف الذي يرى المظلوم فلا ينصره بنفسه وماله, وهو يملك نصرته. إنه بسبب هذه الأطراف (المعتدية، والانتهازية، والعاجزة) سفك النظام دم الشعب السوري حتى جرى أنهارًا وجداول، بلغ مؤشر معدل القتل اليومي (المئة والخمسين والمئتين) وهو مؤشر يدين كل هذه الأطراف ولكنه يشرّف في الوقت نفسه الثورة السورية التي ستنتصر بتوفيق الله عاجلاً أم آجلاً.
