الحكم عقد بين الحاكم والمحكومين. ولكل طرف منهما الحق في فسخ العقد ولاسيما حين تختل شروط العقد. والأمة بلغة الفقهاء، والشعب بلغة السياسيين هو مصدر السلطات، ولا يجوز للحاكم أن يتفرد بالحكم ويلغي دور الأمة، وحين يفعل هذا يتحول بالحكم إلى الاستبداد ويسقط العقد بينهما حكمًا، حتى وإن خنع الشعب بسبب الخوف، فكيف بالعقد ومصيره إذا ثار الشعب وطالب باسترداد سلطته وفسخ عقده مع الحاكم؟!
الشعب دائم، والحاكم زائل، وليس للزائل والمؤقت أن يتحكم بالدائم المستمر، هذا إن أحسن الحاكم في حكمه وولايته، فكيف به إن أساء وظلم واستبد؟! وليس في الديمقراطية وراثة، ولا ولاية عهد، ولا أسر حاكمة، ولا يتضمن عقد الحكم الديمقراطي المعاصر شيئًا من هذه العناصر الفاسدة، كما لا يتضمن صمت الشعب وسكوته على الظلم والاستبداد. ومن ثمَّ كانت الدساتير منظمة للسلطات، ومنظمة للعلاقات بين الحاكم والمحكومين، ومفصلة لما أجمله العقد بينهما.
في البلاد التي استقرت ديمقراطيًا، وتعودت على احترام دستورها، مواقيت محددة بأربع سنوات غالبًا لإعادة النظر في عقدها مع الحاكم، هل تنقضه، أم تمنحه فرصة جديدة، لمدة زمنية مؤقتة معلومة للطرفين؟! في هذه البلاد يمكننا الحديث عن الديمقراطية، أو عن الشورى، أو عن أنظمة سياسية مستقرة تحفظ للأمة وللشعب صلاحياتها.
في بلاد العالم الثالث، أو قل في جلها، بما فيها البلاد العربية لأن التعميم خطأ، لا توجد ديمقراطية حقيقية مستقرة، وغالباً ما يستبد الحاكم بالأمة، ويسلبها صلاحياتها، ويسخِّرها لطاعته رهبًا ورغبًا، ويجعل البلاد ميراثًا لأسرته وعائلته وطائفته أحيانًا، ليجعل منهم أدوات حكمه واستبداده، وإخضاع الأمة لإرادته.
في البلاد المستقرة ديمقراطيًا يأتي التغيير مزمونًا بمواقيت معلومة، وبآليات سلمية جوهرها الانتخابات وصندوق الاقتراع والمنافسة الحزبية، التي تتحنن إلى الأمة وتستعطفها، وتستجلب ثقتها بكل لغة ممكنة.
وفي البلاد الأخرى حيث الديمقراطية الشكلية لا يأتي التغيير إلا من خلال الثورات الشعبية، وفسخ العقد مع الحاكم وأسرته بقوة السلام والمظاهرات، وعندها يصدر الحاكم أوامره إلى الجيش وقوى الأمن لقتل المتظاهرين، والتنكيل بالشعب وبالثائرين، وما حدث في ليبيا كان من هذا النوع، ومما يحدث الآن في سوريا هو أيضًا من هذا النوع.
في الحالة الأولى تكون مسئولية المجتمع الدولي المراقبة فقط، وتقديم تقارير إعلامية عن شفافية التغيير ودقته، وفي الحالة الثانية لا تجدي المراقبة ولا التقارير، أمام الدماء النازفة والأشلاء الممزقة، والبيوت المهدمة. والمجتمع الدولي يتحمل مسئولية استخدام الجيش لآلته الحربية ضد الشعب، وهي مسئولية لا تقل في أوزارها عن مسئولية الحاكم المستبد أيضًا. إن بشار الأسد مسئول عن جرائمه ضد شعبه، وإن المجتمع الدولي ومنظماته مسئول عن هذه الجرائم، لأنه لم يقم بواجباته لحماية حقوق المدنيين، ويقف موقف المتفرج أو الشامت، أو موقف العنصري الذي يميز بين الدماء وبين الشعوب على قاعدة من اللون والجنس والدين.