أميركي بين «بدو البدو»!

نشر 22 اغسطس 2012 | 04:34

 

في النصف الثاني من رمضان شاركت بفعالية ثقافية في منطقة الربع الخالي بدعوة من شركة ارامكو في المملكة العربية السعودية، ورغم ان مكوثي هناك لم يتجاوز 24 ساعة ابتدأت ظهرا بالسفر من مطار ارامكو بالظهران وانتهت اليوم التالي بالعودة ظهرا من مطار الربع الخالي... دون اي مبالغة ولا مجاملة تمنيت لو امضيت سنة هناك لأنه المكان المناسب الذي يحقق ما جربه المتأملون في تزكية النفس واطلاق الخيال والعودة للذات وكسر المألوف والتناغم مع الطبيعة وشحن الطاقة والتفكير بطريقة جديدة واستفراغ الطاقات السلبية المشحونة في البدن وتحرير البصر من حضارة زحف الخرسانات المسلحة ومراجعات كثيرة ثم التأليف بعد الخلوة التي تجلب التصفية ثم التجلية.
حظيت بكرم وفضل واحترام وحفاوة وحب من مسؤولي ارامكو وموظفيها ما لا استحقه وما لم يخطر ببالي حيث لم يكن الكرم الكلاسيكي المتكلف الرسمي الشكلي وانما كرم يجمع بين البساطة والترتيب المنظم الذي يحقق الراحة واستغلال الوقت بشكل ممتاز بحيث يستفيد الضيف ويخرج بفوائد علمية وحياتية وثقافية، محاضرتي هناك كانت لموظفي ارامكو المنقطعين بين تلال الرمال الحمراء في الربع الخالي حيث العمل طويل وجاد وشاق واهلهم ليسوا معهم رغم توفير ارامكو كل مستلزمات الحياة في المدينة (ملاعب، مستوصف، مسجد، الى آخر المتطلبات) ولكن بشكل فني عملي وظيفي لعل من اهم ما سرني في الربع الخالي البعد الاجتماعي الجديد والمكثف حيث الموظفون هناك في اجتماعنا على فطور رمضان او التراويح او سهرة الديوانية تجد كل مكونات المجتمع السعودي بأعراقه ومناطقه وقبائله وطوائفه ومستوياته يعيشون جوا من التلاحم والتواصل الحبي الاخوي التعاوني بعيدا عن كل المنغصات التي تفرق ولا تجمع وتبلبل ولا تنفع، ومن جمال الجو وهدوئه وبعد صعودي على التلال الذهبية من انواع الرمال الصافية الناعمة قبل المغرب بساعة تفجرت من عقلي خواطر وصارت لي حالة نادرة من تداعي المعاني والخيال الاسترجاعي وتدفق ذكريات الطفولة وما بعدها بشكل تلقائي ما جعلني اغير موضوع محاضرتي الليلية إلى خواطر في الربع الخالي فكانت بالنسبة لي على الاقل اجود من مادة المحاضرة الجاهزة، وختمنا النشاط بسهرة الى السحور فوق التلال في تحلق حول النار وحليب (الابل) وحوار ثقافي اجتماعي فريد ومن النادر ما ارجع من نشاط خارجي او سفرة الا وبصحبتي كتاب جديد ولقد حصلت على هدية نادرة الا وهو كتاب عبارة عن رسالة دكتوراه للأميركي دونالد باول كول من جامعة كاليفورنيا - بيركلي بعنوان (NOMADS OF THE NOMADS) اي بدو البدو او رحالة الرحالة وهو بحث ميداني في علم الانسان اجراه ما بين 1968 - 1970 في الربع الخالي حيث عاش مع قبيلة المرة ويقول الكاتب «لقد امضيت اسعد فترة من حياتي معهم ولن يسعني ابدا الا ان ارد لهم كل الحب الاخوي الذي لمسته منهم وكل ما تعلمته منهم»... لم يبالغ الرجل ولن تفهم مشاعره الا اذا قرأت الكتاب الذي طبع حديثا بالعربية (2002) وكتب مقدمته ولتر عولد شميدت استاذ علم الانسان في جامعة كاليفورنيا في انجليس والعجيب ان الاميركي الحداثي المدني الليبرالي العلماني الديموقراطي يشهر اسلامه بصدق ويعلن ذلك بكتابه بسبب حياته بين (بدو البدو).