في الشأن السوري

نشر 18 اغسطس 2012 | 02:20

 

* لو..
لو لم تكن الجمهوريات العربية ملكيات وراثية لما عرفنا بشار ولما كان في هذا المكان، ولكان في عيادته الواسعة الفارغة في المزة أو المهاجرين في دمشق!
لو لم يركب بشار الأسد مركب العناد والغرور والكبرياء الأجوف لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه من مطالبة بمحاكمته وإعدامه. ولو لم يستمع بشار لمستشاري السوء ومؤججي الفتن والنيران، لما كان هذا الدمار الذي يحيق بهذا البلد العظيم الجميل سوريا. لو لم يتغلب الحس الطائفي على الحس الوطني السوري لدى المتنفذين في النظام السوري ما اشتعلت النار في هذا القطر العزيز المتعايش منذ عشرات السنين. لو لم يكن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ما فجر قادة الأجهزة الأمنية السورية هذا الفجور وتألهوا هذا التأله وولغوا في الدماء هذا الولوغ، وحكموا على أنفسهم بالتالي بالإعدام. لو لم يجر بشار طائفته وراءه إلى النار لعاشت في بحبوحة وازدهار إلى آخر الزمان، لكنه وقد أبلس مثل إبليس أراد أن يغرقها معه في جهنم كما يسعى كل فرعون، ألم يغرق فرعون جند مصر معه في اليم لما ركب مركب التفريق وأعماه الإحساس بالقوة؟! لو لم تكن "إسرائيل" تحكم العالم وتريد بشار لسقط منذ سنة كاملة، ولكنها تشل إرادة العالم وتصيبه بالارتباك والعجز، ليستمر الطاغية وتستمر المذبحة ولترتاح "إسرائيل"!
* زيادة الإجرام
كلما فقد النظام السوري جزءاً من الأرض والسيادة والسيطرة، ازداد توحشاً وعنفاً وإجراماً، وزاد من القصف العشوائي بالطيران والمدفعية والراجمات والدبابات، لا لشيء إلا لإيقاع أكبر قدر من الدمار والخسائر في الأرواح، وفق القاعدة الذهبية للطغاة جميعاً: "إما نديرها وإما ندمرها"؛ باعتبار أن البلاد والأوطان والعباد ممتلكات خاصة لا ينازعهم فيها منازع، وهم يحكمون في ملكهم كما يشاؤون.
وهم يراهنون على أن الذين ينعقون في مديح النظام السوري وصموده وعروبته ومقاومته وتقدميته هؤلاء صم بكم عمي لا يفقهون ولا يعقلون ولا يغيرون من مواقعهم ومواقفهم لو دمرت سوريا حتى آخر بيت وذبح السوريون حتى آخر سوري. ويراهنون على قوة إيران وأنها تقاتل معركة سوريا معركة حياة أو موت، تكون أو لا تكون.
وعلى أن ما تبقى من الجيش هم الطائفة وهؤلاء يقاتلون حتى الرمق الأخير؛ لأنهم بعد أن ورطهم النظام في المجازر والمذابح وهذا العنف الوحشي يرون أنفسهم مقتولين على كل حال، فليقتل قبل أن يقتل. ويراهنون كذلك على عجز الدول العربية والعالم الإسلامي، شأنهم في كل قضية، ويراهنون على موقف روسيا والصين، وهما تخوضان معركة وجودية، فإذا نهضت الأمة الإسلامية وروسيا والصين تحكمان عشرات إن لم يكن مئات الملايين من المسلمين فإذا نهضوا وشعروا بإخوانهم يدعمونهم واجهت روسيا والصين مشكلات، وخاصة أن مناطق النفط الروسية في المستعمرات الإسلامية. فليست عيون الأسد غالية على لافروف وبوتين وميدفيديف، إنما هي مصالحهم الاستعمارية التقت مع بقاء الطائفة العلوية حتى لا تنهض هذه الأمة.
ويراهنون كذلك على موقف "إسرائيل" التي تتحكم في العالم وهي لن تجد حارساً مخلصاً مثل الأسد، وهي التي توصي العالم بالتطنيش، وإذا خالف أحد من دول أوروبا أو صدر تصريح أمريكي فلا يعدو أن يكون فرقعة كلامية لا يتبعها ولا يعقبها شيء.
كل هذه الظروف تخدم النظام، وهي معطيات استراتيجية غير قابلة للتحول إلا إذا أحكم الثوار قبضتهم، وأنهوا النظام فلربما تتغير المواقف تحت ضغط الأمر الواقع، إن لم ينشئ هؤلاء المجرمون جميعاً حلفاً دنساً ويمولون مقاومة مسلحة من الطائفة قد تستمر في التخريب سنين.
ومما يوظفه النظام من أوراق سوى الطائفية القذرة التي يتقنها محاولة تفجير لبنان من الداخل وميشال سماحة نموذج لذلك. وأيضاً استغلال الورقة الكردية أبشع استغلال فشرق سوريا الآن شبه منفصل بتواطؤ الدولة أو النظام السوري.
* عناصر قوة الثورة
في المقابل –على رأي فيصل القاسم- فإن الثورة تملك عناصر قوة عديدة؛ فأولاً: بشاعة سلوك النظام من مجازر ومذابح واغتصاب، لم يبق فرصة لمتفرج أو متقاعس أو متخاذل أو متفرج، بل زج بالناس جميعاً في أتون الثورة. فكيف تتحكم طائفة وأقلية في تسعين بالمئة من الشعب وتسومه الخسف وتعبث بثروته ومقدراته، وتتمتع هي بكامل الامتيازات؟
شدة الظلم وفداحته أكبر صاعق لتفجير الثورات، وصدق من قال إن أكبر محرض على الثورة هو الأنظمة نفسها بسلوكها الدموي والعدواني.
وثانياً: انكشاف الخديعة تماماً وسقوط الأقنعة عن وجه النظام، وهو الذي كان يضع عدة منها على وجهه القبيح تخفي تشوهه وقبحه وسوءه.
من أقنعته التي انكشفت: العروبة والقومية؛ وهو فارسي الولاء، شيعي المنتهى والمبتدأ والمنطلق علوي صنيعة الاستعمار الفرنسي الذي وجهه إلى دخول أبناء الطائفة الجيش ليستلموا السلطة فيما بعد وقد كان. فكيف يكون عروبياً من كان في حلف دنس مع ألد أعداء العرب والعروبة والعربية ومن ابتدع الشعوبية وتشويه العرب؟
وكيف يكون عروبياً وهو يذبح شعباً عربياً حتى النخاع هو الشعب السوري، الذي ما تخلف عن نجدة قضية للعرب من فلسطين إلى غيرها، وكان حاضنة كل المهاجرين العرب؟
وأما قناع المقاومة فثبت أنه كان خداعاً في خداع؛ إذ إن الذي يثبت النظام هو "إسرائيل التي يزعم النظام أنه يقاومها. وهي التي تعرقل العالم وتتسبب في إصابته بالشلل إزاء المظالم اللاحقة بالشعب السوري، وهل شعب تيمور الذي ثار له العالم واجه ما واجه الشعب السوري؟ فلماذا الهمة في تيمور والخمود والهمود في سوريا؟ ثم إن كل حركات المقاومة قد غادرت سوريا بما فيها حركة الجهاد الإسلامي المحسوبة على إيران النظام الذي يدعم سوريا بكل قوته!
فأين المقاومة؟ أما موقف حزب الله فليس لأنه حركة مقاومة يقف مع النظام، بل لأنه حزب تحول إلى كيان طائفي.. وترك وراءه المقاومة! وإلا فلماذا يثور لمقتل شخص كل شهرين في البحرين ولا ينبض له عرق لذبح المئات ذبحاً كل يوم!؟ هل لهذا علاقة بالمقاومة؟
أما البعث والحزب المطية، فلم يكونوا أكثر من حذاء لبسه النظام ليخوض مخاضات كثيرة مر بها ثم يخلعه متى شاء. ولماذا وهم بعثيون ناصبوا مؤسس البعث ميشيل عفلق العداء حتى كاد يواجه الموت على أيديهم لولا فراره إلى العراق؟! ولماذا وهم البعثيون ساعدوا أمريكا على احتلال العراق الذي كان يحكمه البعث؟
ومن عناصر قوة الثورة تعاطف الشعوب كلها في العالم العربي والإسلامي والعالم مع الثورة واحتضان جرحاها ومهجريها بكل ما أوتي الناس من طاقة.
ومن عناصر القوة اتساع القطر وانفتاحه على عدة أقطار، قسم منها متعاطف، هذا الانتشار والتوسع شتت قوى الجيش التابع للنظام.
ومن عناصر القوة أن الشعب على درجة من التدين جيدة تجعله يصطبر ويتحمل التضحية وتكاليف الحرية.. إذ يعد قتلاه شهداء ويحتسبهم عند الله.
ومن عناصر القوة كذلك المقدار الجيد من التكافل الاجتماعي الذي أتقنه الشعب السوري منذ عشرات السنين، فهم يقتسمون رغيف الخبز وشربة الماء وكل الموجودات.. هذا التكافل يعزز القوة المعنوية، والاستقبال الحار للجيش الحر أينما ذهب هو الذي يجعله يستبسل في قتال النظام وجيشه.
ومن أقوى عناصر القوة لدى الثورة كل عناصر الضعف لدى النظام والجيش، من لا أخلاقية تمثلت في الاغتصاب والذبح والنهب وحرق البيوت بعد إفراغها من محتوياتها، والقصف العشوائي والتطاول على المساجد وحرمة رمضان وقتل المصلين والطائفية التي هي رابطة ما قبل الدولة وما قبل التحضر وما قبل الأنسنة بينما الثورة تطرح أنها حركة جماهير شعب بكافة الأطياف وهي حركة مستقبل بينما النظام حركة ردة إلى ما قبل الحضارة وما قبل التاريخ.