«..وطور سينين»

نشر 13 اغسطس 2012 | 12:22

 

من يسعون لفك الارتباط بين مصر وفلسطين يعاندون الدين والتاريخ والجغرافيا والسياسة والمنطق والعقل والمصالح والوطنية، فبأي خطاب بعده يتكلمون؟

 

أما خطاب الدين فاقرأ سورة التين وتأمل كيف ربط الله بين سيناء وفلسطين، وأقسم بهما وبالبلد الأمين معاً إذ قال: «والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين».

 

أما التين والزيتون فهما الثمرتان المعروفتان لكن المقصود بهما هنا لا التوقف عندهما، ولكن التكنية بهما عن أرضهما أي فلسطين بدلالة النسق والسياق، فالثاني والثالث أماكن فالأول إذاً مكان مع الأماكن بل هو في طليعتها، كما ذكر القرآن المبين. وهو على كل حال ترتيب تاريخي، أقصد تاريخ النبوات، فالتين والزيتون المكان كني به مرة ثانية عن النبوة والرسالة التي نزلت فيه وهي نبوة إبراهيم الخليل عليه السلام، وطور سينين كني بالمكان عن رسالة موسى التي أنزلت في المكان.

 

وبالبلد الأمين كني به عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم التي أنزلت في البلد الأمين. ولقد ذكر القرآن سيناء في عدد من المواضع تصريحاً تارة وضمناً تارة، ومما جاء تصريحاً سوى ما ذكر قوله تعالى: «وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين..» وكان الماديون يهزأون كيف ينبت الزيتون في سيناء؟ فلينظروا الآن!

 

وقد ذكر الطور في سياق قصة موسى قرابة عشر مرات، والطور هو قلب سيناء كما الأقصى قلب فلسطين، وأقسم الله بالطور في سورة تحمل هذا الاسم: «الطور» فقال: «والطور..» وهذا لافت للنظر جداً، فما سر هذا الاهتمام بسيناء وطورها إلى هذه الدرجة؟ أهو أي هذا الاهتمام عائد إلى التاريخ فقط أم إليه وإلى المستقبل مطلقاً.. أي بتجدداته وسيرورته وتجلياته، بحيث إن كل حاضر ينضم إلى الماضي في لحظة تحققه، ثم يظل أفق المستقبل مفتوحاً. إني أعتقد أن الاهتمام بسيناء عابر للزمان بل للأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل بل كذلك الإلماح إلى ضرورة الاهتمام بسيناء كما اهتم بها القرآن. وما كثرة الذكر إلا للأهمية، وهل نسيت أن أكثر بلد ذكره القرآن هو مصر وسيناء قطعة من مصر.. وحتى هذه القطعة حظيت باهتمام شديد! صحيح أنها جغرافياً في الأطراف لكنها عسكرياً وسياسياً ينبغي أن تكون في القلب.

 

وقد لفت الأستاذ جلال كشك رحمه الله إلى أن أحد الكتاب الكبار لم يذكر سيناء في كتبه إلا ملتصقاً اسمها بوصف الصحراء أي «صحراء سيناء». ثم لفت إلى كتابات الصهاينة وأنها لم تذكر قط وصف الصحراء وإنما تتحدث عن سيناء Sinai.

 

أقول وما جرى من تهميش سيناء طيلة العهود كلها مشبوه وغير مفهوم ولا مبرر وأسوأ العهود بالقطع العهد المباركي غير المبارك.

واليوم تعود سيناء إلى بؤرة الاهتمام من جديد ومحور الأحداث من جديد. ولكن بصورة يراد لها أن تكون صورة مأساة تراجيدية من مذبحة الجنود في ساعة قبول ورحمات لكنها أيضاً كانت ساعة تآمر وساعة غفلة.. تآمر من مراكز ضالعة وغفلة من العساكر البسطاء.

 

ومنذ عشرات السنين ودخول سيناء يحتاج من المصريين إلى تصريح خاص وكأن سيناء قطعة أخرى خارج الوطن، أضف إليه التهميش الاقتصادي وانعدام المشاريع، مع أن سيناء شهد الله بعكس ما تزعم دعايتهم أنها صحراء سيناء إذ قال: «وشجرة تخرج من طور سيناء..» والآن مع استمرار التهميش نسبياً فإن (2) مليون شجرة زيتون قد تم زرعها في سيناء.. ولو مد خط من النيل إليها لكانت جنة من جنان الأرض.

 

نظرة عابرة في اتفاقية كامب ديفيد بخصوص سيناء

تحتاج الاتفاقية والشروط التي قيدت بها «إسرائيل» مصر مقابل إعادة سيناء –نظرياً- أقول تحتاج إلى دراسة معمقة متأنية، إن أتيح النظر في كامل أوراق الاتفاقية، من قبل استراتيجيين وعسكريين وسياسيين وحقوقيين وأمنيين.. الخ

 

لكن هذه النظرة عامة عابرة، فأولاً قسمت «إسرائيل» سيناء كما صنعت في فلسطين إلى مناطق أ،ب،جـ،د وحددت لكل منطقة نوع المعدات وعددها وعدد الأفراد، وكلما كانت إلى التماس مع «إسرائيل» أقرب خفّت المعدات وقلت الأعداد! وشرطت «إسرائيل» عبور اليهود أعني الإسرائيليين دون فيزا، ودون تفتيش، يعني الدار ما عادت لأصحابها. وشرطت نوع المشاريع التي تقام في سيناء، وشرطت أن أي تعديل على الأعداد للعسكر والمعدات والنوعيات (شرطة غالباً، جيش أقل) يحتاج إلى موافقة «إسرائيل».. هذه الاتفاقية هي أساس الداء وأساس الخراب والبلاء، فبالعدد القليل لا يمكن السيطرة على سيناء وهي أرض ضخمة تعدل أربعة أضعاف فلسطين وتضاريسها صعبة وفيها جبال وعرة جداً، وهي ملأى بالأسلحة المهربة من بقايا حرب67 وغيرها.

 

ثم شرطت الاتفاقية وجود قوات أمريكية (هي إسرائيلية دون تحمل مصاريفها) بلغت أكثر من أربعين ألف جندي. هذه هي السيادة المصرية التي كان يتبجح بها أنور السادات، أضف إلى أجهزة تنصت ورصد متطورة تملأ سيناء.

 

عود إلى «إسرائيل» كمان وكمان

ما معنى أن تصدر «إسرائيل» أمراً قبل الحدث الفظيع بخمسة أيام بضرورة مغادرة كل الإسرائيليين لكل سيناء؟

ومعلوم أن مثل هذا النداء والتعميم لا يكون إلا في حالة انفلات أمني! أو حالة حرب واسعة. أو خطر داهم شديد فهل كان الصهاينة يتنبأون كالتنبؤ الجوي؟ أم أنهم على علم تفصيلي بالحادث لأنهم هم راسموه ومخططوه؟!

 

وللإجابة أستعين ببعض نقول من كتابات الأستاذ هويدي ينقلها هو بدوره موثقة عن مصادرها الصهيونية: ففي عدد السبت من السبيل بتاريخ 11/8 قال نقلاً عن المعلق الاستراتيجي الإسرائيلي ونقلها هويدي في عدد الخميس 9/8 قال «رامي ايدليس»: «إن إسرائيل هي الطرف الوحيد المستفيد من العملية، ويستحيل من الناحية العقلية (والعملية) ألا تكون لها يد فيما حدث».

 

ويلفت هويدي إلى هجوم الإعلام المصري على غزة والفلسطينيين ولم يذكر أحد أن الفلتان الأمني بسبب نقص الأعداد والمعدات بسبب الاتفاقية الظالمة هو السبب في كل هذا الخراب.. وهذا يقتضي فض الاشتباك مع غزة واستعادة مصر سيادتها على سيناء ووضع حد للعربدة التي تمارسها «إسرائيل» داخل الأراضي والحدود المصرية. أ.هـ.

 

وما معنى أن «إسرائيل» تخترق الجماعات التكفيرية المتشددة العاملة في سيناء وأصحاب البلد لا يخترقون هذه الجماعات، والاختراق ميسور للأجهزة المحلية والعالمية فلماذا مصر لا تفعل؟ إنه أمر مشبوه! وكيف علمت «إسرائيل» بعدة بلاغات ومصر لم تعلم؟ إن في الأمر إن!

 

موقف دائم لنظام مبارك من غزة وحماس وفلسطين

مبارك ونظامه وأركان هذا النظام كانوا يقفون موقفاً ثابتاً دائماً من غزة وحماس وعموم فلسطين.. هذا الموقف متماه مع موقف «إسرائيل» بل متقدم عليها. وكم كلمنا المفاوضون من حماس عن استماتة عمر سليمان في التعبير عن مطالب «إسرائيل»، طمعاً في وراثة المخلوع، ولا يملك ذلك في نظره إلا «إسرائيل».

 

وفي حرب غزة لا نريد أن نعيد ما كررناه عشرات المرات أن مصر كانت مرآة «إسرائيل» وكيف ضرب عمر سليمان بكلتا يديه بانفعال شديد على الطاولة وقال: تريدون أن يخرج أولمرت مهزوماً من غزة؟ وكيف شدد مبارك وصيته لساركوزي بضرورة ألا تخرج غزة منتصرة في حربها مع إسرائيل سنة 2008-2009.

 

من هنا فإن الإعلام المصري كان يشن حملة ممنهجة منظمة من كتبة مرتزقة كلهم طابور خامس.. هذه الكتيبة من الكتبة الخونة كانوا يلصقون بغزة كل نقائص الدنيا وكل جرائم الأرض. فغزة هي التي ملأت مصر بالمخدرات. وغزة هي التي قتلت المتظاهرين في ميدان التحرير، والسيارات التي داست الناس في الشوارع في الثورة خرجت من غزة.. ومثل هذه الأكاذيب. فلما وقعت الحادثة المجرمة الآثمة بقتل الجنود وهم صائمون مقبلون على الله يريدون تناول إفطارهم، وقطعت يد أطلقت عليهم النار، انطلقت فلول إعلام مبارك تريد أن تعيد المعزوفة القذرة المعروفة إياها، أن حماس وراء كل هذا وغزة والأنفاق والفلسطينيين.. الخ.

 

ويأبى الله إلا أن يظهر الحق ويجليه ويزهق الباطل ويعريه.. فبدأت تتكشف الحقائق وبدأت تتضح اليد الإسرائيلية وراء الأحداث وظهر أن «الله يدافع عن الذين آمنوا».

 

وماذا بعد؟

بعد أن تكلمنا عما هو قائم في سيناء بإيجاز شديد فما هو المقترح لتجاوز بؤس الواقع؟

1- الاهتمام بسيناء ووضع الخطط لإعمار سيناء ونقل مليون مصري تدريجياً إلى سيناء، بدل التكدس في القاهرة (ربع مليون في القاهرة) وفتح المشاريع الإنتاجية الاقتصادية والزراعية والسياحية في سيناء ومد شبكة خطوط محترمة في سيناء.

 

2- إنهاء التهميش والعزل عن سيناء، فالعريش ورفح والشيخ زويد مدن صفيح فهل يعقل أن تكون سيناء خرابة وهي خط الدفاع الأول عن مصر، وكما سقطت سنة67 منذ الطلقة الأولى ستسقط هذه المرة في أول مواجهة ما لم تكن عامرة ومأهولة ومحصنة ومزروعة بالرجال مزارعون في الظاهر عسكر في الحقيقة!

 

3- إنهاء ثقافة عزل مصر عن محيطها العربي وعودة الاهتمام بقطاع غزة، فقد كانت مصر حاضنة قطاع غزة ولقد حكمته مباشرة عشرات السنين.. فلماذا تخلت عنه ونفضت يدها منه وهو أحوج ما يكون إليها وهي تحتاجه فهو جسرها إلى قارة آسيا!

 

4- إنهاء ثقافة شيطنة الفلسطينيين التي كان يمارسها الخونة والعملاء من حكام ومعاونيهم وأجهزتهم وإعلامهم، وإلصاق كل تهمة بهم، وإلقاء تبعات كل مشكلات مصر على حروب مصر دفاعاً عن الفلسطينيين وهو غير صحيح غير منكرين دور مصر وتضحيات مصر، لكن خراب مصر من سوء السياسات لا من التضحيات ومن السرقات لا من المساعدات المقدمة للفلسطينيين!

 

5- فتح الحدود والمعابر بين مصر وغزة وإمدادها –بالثمن بالطبع- باحتياجاتها من المحروقات والكهرباء والغذاء والدواء ولماذا تنتفع «إسرائيل» ولا تنتفع مصر وحكاية تبعات الاحتلال وهم وكذبة كبرى فالاحتلال مستفيد ولا تبعات يتحملها. المطلوب تنسيق لا قطيعة بين مصر وغزة.

 

ولعل الحديث يعود!