حرصت «إسرائيل» على الإسراع في توظيف جريمة رفح لتحقيق أهداف استراتيجية، تندرج ضمن مساعي الكيان الصهيوني للتعويض عما فقده من أوراق في أعقاب تفجر ثورات التحول الديموقراطي في العالم العربي، وعلى وجه الخصوص في أعقاب ثورة 25 يناير في مصر. وقد بدت مظاهر التوظيف الإسرائيلي للجريمة في محاولة ضرب العلاقة بين مصر وقطاع غزة، التي انتقلت إلى عهد جديد في أعقاب الثورة المصرية وانتخاب الرئيس محمد مرسي، وذلك عبر الزعم أن جهات في غزة على علاقة بجريمة رفح، مع العلم أن كلاً من روني دانئيل معلق الشؤون العسكرية في قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية، وألون بن دافيد معلق الشؤون العسكرية في القناة العاشرة قد أكدا أنه لا يوجد لدى الأجهزة الأمنية الصهيونية أي دليل يربط قطاع غزة بما جرى في رفح. ومن الواضح أن صناع القرار في «تل أبيب» معنيون بتقليص هامش المناورة أمام الرئيس مرسي وإحراجه داخلياً؛ لإجباره على التراجع عن التفاهمات التي توصل إليها من رئيس حكومة غزة إسماعيل هنية، المتعلقة بتخفيف مظاهر الحصار على قطاع غزة؛ من خلال الإدعاء أن غزة ترد على خطوات مرسي الإيجابية تجاهها باستهداف الأمن القومي المصري. وتفترض «إسرائيل» أن العملية الإرهابية في رفح ستؤلب الرأي العام المصري على المقاومة الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص حركة حماس. وقد بات هذا الهدف يقع على رأس أولويات القيادة الإسرائيلية؛ على اعتبار أن تحقيق هذا الهدف يسهم في تمكين «إسرائيل» من تنفيذ مخططاتها العدائية ضد قطاع غزة. فقد أكدت كل التقييمات التي قدمتها هيئات التقدير الاستراتيجي في الجيش والاستخبارات الإسرائيلية للمستوى السياسي الحاكم في «تل أبيب»، أن تنفيذ حملات عسكرية واسعة ضد قطاع غزة في أعقاب ثورة 25 يناير بات أمراً بالغ الصعوبة؛ وذلك بسبب الدور الكبير الذي بات يلعبه الرأي العام المصري في توجيه صناع القرار في القاهرة. وقد أكدت توصيات جميع الدراسات التي أصدرها مركز أبحاث الأمن القومي التابعة لجامعة تل أبيب، أن الرأي العام المصري قد يدفع القيادة المصرية إلى إعادة فتح اتفاقية «كامب ديفيد» في حال تم تنفيذ حملة عسكرية كبيرة على قطاع غزة. وتحذر هذه الدراسات من أن ردة فعل الجمهور المصري يمكن أن تسهم في تراجع مصر كلياً عن اتفاقية «كامب ديفيد»، مع العلم أن «إسرائيل» ترى في هذه الاتفاقيات مركباً مهماً في الأمن القومي الصهيوني. من الواضح أن تقديم المقاومة الفلسطينية كشريك في جريمة رفح، يأتي للتأثير في توجهات الرأي العام المصري من القضية الفلسطينية. وتفترض «إسرائيل» أن مثل هذه العمليات ستقلص من قدرة القيادة المصرية الجديدة على إعادة تقييم السياسة المصرية الخارجية، وتعيد بلورتها على أسس مغايرة تماماً لتلك التي كانت قائم في عهد الرئيس المخلوع مبارك، ولا سيما في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وقد عبر عن ذلك بشكل فج، وبدون مواربة، وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي قال إن مصر مطالبة بتعلم الدرس مما جرى في رفح ومواجهة «الأعداء الحقيقيين لمصر»، بالطبع يقصد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. وقد شرعت «إسرائيل» فوراً في توظيف جريمة رفح في ابتزاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما؛ حيث شرع ديوان نتنياهو في اتصالات بقيادات ديموقراطية وجمهورية في الكونغرس الأمريكي؛ للضغط على أوباما ليقوم بدوره في الضغط على كل من الرئيس مرسي وقادة العسكر في مصر، ومطالبتهم بعدم إحداث أي تغيير على ظروف الحصار على قطاع غزة والعلاقة مع حركة حماس.
ويفترض نتنياهو أن أوباما المعني بإعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية، سيعمل كل ما في وسعه من أجل استرضاء قادة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة عبر الاستجابة لمطالب «إسرائيل». وقد دعت بعض النخب الإسرائيلية الرئيس أوباما إلى توظيف المساعدات المالية لمصر؛ لإرغام قيادتها الجديدة على مواصلة الشراكة الاستراتيجية مع «إسرائيل»، كما كانت في عهد مبارك، بزعم أن هذا ما يفرضه الواقع الأمني في سيناء. وتنطلق «إسرائيل» من افتراض مفاده أن عملية رفح ستضعف الرئيس مرسي على الصعيد الداخلي، وستقلص من قدرته على استعادة صلاحياته التي سلبها قادة العسكر. ومما لا شك فيه أن «إسرائيل» ترى في احتفاظ قادة العسكر بمجمل صلاحيات الحكم مصلحة استراتيجية لـ»إسرائيل». وقد عبر عن ذلك بشكل صريح وواضح وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بنيامين بن إليعازر الذي يوصف في «تل أبيب» بأنه «مهندس العلاقات المصرية الإسرائيلية»، الذي قال: «عدم خسارة العسكر الصلاحيات لصالح قيادة مدنية منتخبة في مصر، أحد أهم متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي» (صحيفة ذي ماركير الإسرائيلية، 27-4-2012). من نافلة القول أن «إسرائيل» معنية تماماً بمفاقمة الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها مصر؛ لتكرس مأزق مرسي، ومما لا شك فيه أن جريمة رفح ستمس السياحة التي تعد أحد أهم المرافق الاقتصادية.
إن التاريخ يدلل بما يدع مجالاً للشك أن «إسرائيل» كانت مسؤولة عن عمليات أكثر تطرفاً من جريمة رفح، فقط من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية. فقد بات الآن في حكم المؤكد أن جهاز الموساد، وبناءً على تعليمات من رئيس وزراء «إسرائيل» الأول ديفيد بن غوريون قد قام أواخر أربعينيات، ومطلع خمسينيات القرن الماضي بتفجير العشرات من الكنس اليهودية في أرجاء العراق، بعدما تبين أن أغلبية اليهود العراقيين يرفضون الهجرة إلى فلسطين المحتلة.