سألني الأخ الفقيهي من جريدة عكاظ عن رأيي في المسلسل الذي يعرض في رمضان من عام 1433هـ وهو تقليد جديد بدأ يغزو القنوات الفضائية في محاولة استقراء التاريخ ورصده وإعادة إحيائه في ظل واقع لايقترب من ذلك التألق القديم ولذا يجب فهم إعادة إحياء مثل هذا التراث إنه يقصد معنى عميقا عن أمة عظيمة حققت دخولا مشرفا للتاريخ.
يعد مالك بن نبي المفكر الجزائري أن الحضارة وثبة روح ونهضة استثنائية. وحين نرى الأرض السورية هذه الأيام وإقبال الشباب على الموت فكانوا أفواجا نقول إنها فترة استثنائية أيضا من ولادة الروح الجديدة.
قصة عمر (رضي الله عنه) تخلد هذا الرمز العميق من صعود الروح ودخولها معراجا جديدا خارج الروتين اليومي وتفاهات الحقل المكرر.
كان نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) يطمح إلى أن يحمل أعداؤه فكرته فليس ثمة عداوة شخصية؛ فكان يقول اللهم انصر الإسلام بأحد العمرين؛ الثاني كان أبو جهل ولم يكن اسمه أبا جهل بل (أبو الحكم). ولكن معجزة الإسلام أن عكرمة بن أبي جهل استسلم أخيرا وقاتل عن الإسلام ومات شهيدا في معركة اليرموك في الأردن الحالية. يمكن قراءة كتاب (شهداء الإسلام في عصر النبوة) لسامي النشار؛ فهو كتاب رائع قرأته وأنا شاب صغير فكانت الدموع تنهمر من عيني وأنا أقلب صفحاته فأصبح ورقه رطبا. وكان منها شهادة (عكرمة بن أبي جهل) وشهادة (عقيل بن أبي طالب) في معركة مؤتة والثالث الشاب الوسيم الداعية الذي كان له فضل تفشي الإسلام بين أهل المدينة الذي كان عطره يفوح في مكة فلما مات لم يكن ثمة كفن كاف يغطيه؛ فإذا غطوا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا رجليه ظهر رأسه؛ فعمدوا إلى أغصان شجر رطب فكفنوه بها. مع ذلك فالمسلسل يحمل أيضا جانبا ينتبه له المحللون النفسيون وأصحاب التحليل التاريخي أن عرض هذه المسلسل فيه شحن عاطفي من تاريخ رائع ولى، وانتصارات باهرة ليس لنا منها سوى الاسم في واقع فقدنا فيه السيطرة على الأحداث، وتحولت مراكز القوة في العالم، وهنا يلعب المسلسل دورا مرمما وتعويضيا عن واقع هزيل من تاريخ عظيم، كالفقير الذي يفتخر بثروة جده. إنها واقع صادم ولكن لابد من ذكره. أخيرا قد تكون شخصية عمر بالذات فيها إيقاظ لا مباشر ومزعج لإيران في إعادة رسم محاور التاريخ السني! ربما نعم وربما لا.. فالحديث في هذا حساس جدا.