هي ملاحظة صحيحة تلك التي تتعلق بأحوال الخلل الظاهرة في الأوطان بعد الثورات العربية على الطريقة المتصلة فصولها، فالثورات لاتنقلنا فورا إلى أوضاع أفضل، بل تبدو افتتاحا لمرحلة معاناة انتقالية قد تطول أحيانا، وقد تتهدد فيها سلامة الأوطان ووحدتها الترابية، وينفد صبر الناس المستعجلين لقطف ثمار الثورات .
وبالطبع، ليست الثورات سبب وجوه الخلل المرئية، فهي ـ أي الثورات ـ تكشف عن الخلل ولا تنشئه، وتبدو الأوطان مع الثورات كأنها ترى نفسها في المرايا لأول مرة، وتكتشف هول ما جرى لها من تحطيم، وما جرى للمجتمعات من فساد في الروح والعقل والممارسات اليومية، وتنطلق فيها طاقة عنف ظلت مكبوتة لأوقات طويلة، بدا فيها أن الزمن توقف جريانه، وأن صورة بعينها هي الأقدار المكتوبة، صورة تطابقت فيها الأوثان مع الأوطان، وحين تقتلع الثورات، وتحطم الأوثان، فإن الأوطان تدمى بشدة، فقد دخلت تقاليد الأوثان في شرايينها، وقيدت أيديها، وجعلت ما يبدو من انتظام فى حياتها رهنا بوجود الأوثان، وحتى إذا جرى اقتلاع الأوثان انتفى انتظام بعينه، تعود عليه الناس لعقود، وبدت الحيرة ظاهرة في مراحل انتقال تبدو متعثرة، وإلى أن تكتمل صورة انتظام آخر تعد به الثورات.
مفهوم ـ بالطبع ـ أن الأوثان المشار إليها هي شخوص الحكام، فقد جرى نزع طابع الدولة الوطنية التي تكونت بعد الاستقلال عن الاستعمار التقليدى القديم، والتي حكمتها نخب عسكرية وعقائدية لها نفس تحريري، لكنها جعلت من نفسها وصيا على حركة المجتمعات، وجففت منابع الحيوية، والمقدرة على الدفاع والتطور الذاتي، وفي غياب رقابة المجتمعات وحيويتها، كان طبيعيا أن يتدهور حال هذه النخب، وأن تجري في صفوفها تصفيات داخلية، تفاقمت معها فكرة الوصاية، وحولت النخب الحاكمة بعسكرها وأحزابها إلى وضع الضحية التالية بعد نزع دور المجتمع، وصعدت بدور الحاكم الفرد، وبعائلته الشخصية لا العقائدية، إلى موضع الصدارة، وهكذا ولدت الدولة العائلية بديلا عن الدولة الوطنية ودعاويها التحريرية، ورثت الدولة العائلية أشرس تقاليد الدولة الوطنية في قمع المجتمعات، وأضافت إليها معنى التركز العائلي والاحتكار السياسي والاقتصادي، وإعادت بناء نمط تحكم بدا مختلفا، فثمة عائلة تحكم، ومن حولها طبقة من مليارديرات المال الحرام، ومن تحتها خازوق أمني ـ عسكري متضخم ومتورم، ولم تعد من قاعدة اجتماعية تسند مع التجريف المتصل لقواعد الانتاج ودعاوى التحرير، وحدث التطابق بين الأوثان والأوطان، فصارت مصر ـ مثلا ـ هي بلد أو عزبة حسني مبارك، وصارت ليبيا هي عنوان القذافي ومسرح جنونه، وصارت تونس شركة لبن علي وزوجته ليلى الطرابلسي، وصارت اليمن عزبة علي عبد الله صالح وأبنائه وأولاد عمومته، وصارت سوريا ملكا حصريا لعائلة الأسد الأب فالإبن، وجرى الأمر ذاته في العراق والجزائر بتفاصيل أخرى، وربما لا نكون في حاجة إلى ذكر بقية الأقطار العربية، فغالب الباقين محكومون بنظم لا تخفى ملكيتها وعائليتها الأصلية.
وربما لا نكون ـ أيضا ـ في حاجة إلى تذكر مدد البقاء الطويل للأوثان، فالنظم الملكية العربية وثنية وصنمية بطبيعتها، وكثير من الأسر الملكية العربية افتعلت لنفسها قداسة موهومة بطرقها الخاصة جدا، تجمعاتها الخليجية ـ مثلا ـ ربطت نفسها بإدعاء تطبيق الشرع الإسلامي، أو بأدوار خاصة للأسر في بناء هذه الدول، ومن ثم الحق في إحتكار ثرواتها وحكم أهلها، ويصل الأمر إلى ذروته في 'السعودية'، وهي الدولة الوحيدة في العالم اليوم المسماة باسم أسرة، وعلى نمط الدول والامبراطوريات والممالك التي عرفتها العصور الوسطى، ومع مطابقة الأسرة بالمملكة، كان لابد من إضفاء قداسة دينية سابغة على الملك، والذى صار لقبه 'خادم الحرمين الشريفين'، وخارج التجمعات الملكية الخليجية، بدت الملكيتان في الأردن والمغرب أكثر استنارة، فيما لم تكن الجمهوريات التي تحولت إلى ملكيات، وانتقلت من دعوى الدولة الوطنية إلى حقيقة الدولة العائلية، لم تكن الأخيرة في احتياج إلى التخفي أو التمويه، أو ادعاء الاتصال بقداسة دينية ما، وحولت الحكام العائليين مباشرة إلى ما يشبه الآلهة المعبودة، فعشرات السنوات تمضي في إثر عشرات السنوات، وهؤلاء لا يتحولون ولا يزولون، وحين يجيء أمر ربك، فالخلف جاهز لتغطية موت السلف، وعلى طريقة ما جرى في نقل العهدة السورية من حافظ إلى بشار الأسد، وحين امتدت آجال الأوثان الآخرين، فقد كان لابد من إبداع عائلي جديد، وهو 'الحكم المزدوج' للرئيس الأب مع الرئيس الإبن، وهكذا زاد عمر حكم عائلة بن علي عن العشرين سنة، ووصل عمر حكم عائلة مبارك إلى حافة الثلاثين سنة، وزاد عمر حكم عائلة عبد الله صالح عن الثلاثين سنة، وضرب حكم عائلة الأسد رقما قياسيا جاوز الأربعين سنة، وزاد عليه حكم عائلة القذافي، والذى كان يتفاخر بلقب 'عميد الحكام العرب'.
وهذه المدد الطويلة جدا، والتي تغيرت فيها صورة النظام الدولي مرات، وتغيرت فيها رئاسات الدول غير العربية عشرات المرات، هذه المدد الطويلة التي بدت كقرون، جمدت فيها حركة التطور الاجتماعي، وانعزل فيها العرب عن سباق الدنيا الموارة بالتحولات، وبدت فيها الأمة كأنها سقطت في الثقب الأسود، ولم تعد تعرف من تاريخها غير أسماء حكامها طويلي العمر، وغير أسماء أولياء العهود الموعودين، فالشمس تشرق وتغرب، لكن نشرات الأخبار المحلية لا تفترق في الليل عنها في النهار، وكل شئ يزول ويحول، إلا أسماء الأوثان التي تطابقت مع الأوطان .
وكان ذلك كله شيئا ثقيل الوطأة على الشعور العام، بدا الوجود الثقيل للحكام كطيور الرخ الأسطورية، ترخي سدولها السود، وتحجب عين الشمس، وغاب معنى التغيير عن الخواطر، أو حتى الحلم بإمكانية التغيير، وصار التسليم ببقاء الأوثان كالتسليم بأحكام الأقدار، وإلى أن جرت الثورات العربية، وعلى الطريقة التي تجري عليها، وكانفجارات بركانية مدوية، غيرت المزاج النفسي بصورة عاصفة، واستعادت صخب المجتمعات التي بدا طـــويلا أنها ماتت، وبدا التاريخ العربى أخيرا كأنه ينتقم لنفسه، ويستـــولد من صمته وعجزه جموحا في رغبات التغيير، وهو ما يفـــسر حال ما بعد الثورات، وهذه الحيوية التي توحي أحيانا بالفوضى، خاصة مع نمط خاص من الثورات، يولد بغير قيادة مطــابقة، وينتقل إلى نظام تتحدد ملامحه في عسر ظاهر، فالأوطان ـ بعد الثورات ـ تدفع ضرائب الصبر الطويل على بقاء الأوثان.