ليس هناك من ملهم للإنسان مثل الأسطورة، ودخل الناس الحروب فسفكوا الدماء تحت تأثير الأساطير. ومنها قصة كوسموس وداميان الذين نفخت الكنيسة في قصصهما فحولتهما في النهاية إلى قديسين لهم قدرة الشفاء وهما لا يملكان ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولكن هكذا عاش الإنسان على الأسطورة ومازال. يُروى عن الرجلين وهما سوريان أنهما كانا ملهمين لفكرة زرع الأعضاء على ذمة الطبيب (هارولد إيليس) صاحب كتاب العمليات المشهورة؛ فقد ظهرا في المنام لإنسان أصيب بسرطان في القدم فقام القديسان واحد بقطع رجله، والآخر بقطع رجل مات لتوّه (أسود اللون) فقام بقطع ساقه، ثم تعاون الاثنان على زرع الساق السوداء عند رجل أبيض، ليعتقد الناس في الخرافة في اليوم التالي. وهكذا فليس ثمة دواء ضد الأسطورة.
لقد فكر الأطباء منذ القديم في زرع الأعضاء ولكن الموضوع انتظر طويلاً، وعندما تضافرت مجموعة من العناصر مثل التعقيم والجراحة ولدت الفرصة التاريخية في 23 ديسمبر 1954م حين جاء رجل عمره 24 سنة إلى مشفى (بيتر بريجهام) في بوسطن يشكو من القصور الكلوي الحاد، ارتفع عنده الضغط الدموي حتى 240 ملم، ونزل خضاب الدم عنده حتى ستة غرامات، وهو في العادة 15 وقارب الموت. ولحسن الحظ فقد كان عنده أخ توأم وقام الفريق الطبي بدراسة حالة الاثنين بما فيها زرع جلد من السليم للمريض للتأكد من أن جسمه يتحمل نقل أي شيء من أخيه. وبعد تفكير طويل اجتهدوا أن يزرعوا الكلية الجديدة من الأخ السليم للسقيم، وفعلاً نجحت التجربة، فقد قفز الفريق الطبي قفزته الرائعة أيام أعياد الميلاد. استغرقت العملية ثلاث ساعات ونصف وانقطع الدم عن الكلية المقطوعة من الأخ في الغرفة المجاورة 82 دقيقة، وهو زمن طويل نسبياً، وفور فتح الدم توردت وتدفق البول بغزارة وقام المريض بعدها بـ37 يوماً إلى منزله معافى لا يشكو من شيء. وكذلك الأخ المانح للكلية. ولكن المشكلة التي طرأت بعدها كانت في رفض الجسم لأي عضو أجنبي مزروع، حيث إن زراعة الكلية أو الأعضاء لا توفر الشروط المثالية كما في قصتنا.
وعثر الأطباء بالصدفة على عقار (6 ميراكابتوبورين) يلعب دوراً في تخفيض قوة المناعة بحيث يتحمل الجسد صدمة النقل. والمهم فاليوم يتم نقل شتى الأعضاء ولم يقتصر الأمر على الكلية.