هي الكلمات تعجز عن وصف معاناتهم وآلامهم وتحدياتهم لحياة القبور، حياة الظلام وعتمة السجن وجبروت السجان، هم أقمار لامعة في سماء فلسطين، سطروا أسمى ملاحم البطولة والفداء في زنازين العزل الانفرادي في عالم الأموات...حديثنا في هذه السطور القليلة عن رجال صنعوا التاريخ بماء من الذهب، ورسموا ملاحم حياة جديدة ملؤها الأمل والعطاء، من نتحدث عنهم في هذه السطور هم رجال عرفهم التاريخ من أصحاب المحكوميات العالية قضوا في السجن سنين طويلة في زنازين العزل الانفرادي، قضوا سنين من عمرهم في سجون غريبة عن البشر، بعيدة عن الحياة وبعيدة عن معالم الأيام والأشهر والسنوات، يحيا الأسرى بها أوقاتًا عصيبة لا يعرفون ليلهم من نهارهم فيها، لكن عزيمتهم أقوى من الحجر وأعتى من ترسانات العدو ودباباته، هم أصحاب العزيمة والتحدي.
أقمار العزل الانفرادي الذين سنتحدث عنهم منهم الأسير البطل عبد الله البرغوثي الذي اعتقل في 5/3/2003م، ومحكوم عليه بالسجن المؤبد 67 مرة، قضى منها 9 سنوات في زنازين العزل الانفرادي، وهو صاحب رصيد كبير من التخطيط للعمليات التي أدت إلى مقتل أكثر من 66 صهيونيًّ وجرح أكثر من 500 آخرين، وقد عاش الأسير البطل البرغوثي حياة العزل بكل قوة وصلابة، تعلم فيها التحدث باللغة العبرية بطلاقة كما أتقن اللغة الإنجليزية، فقد كان صاحب معنويات عالية يحب القراءة دومًا ومساعدة الآخرين رغم حياته الصعبة.
أما الأسير البطل محمود عيسى من القدس فقد اعتقل بتاريخ 3/6/1993م، وحكم عليه بالسجن المؤبد 3 مرات، إضافة إلى 40 عامًا، قضى منها في العزل الانفرادي 10 سنوات يحيا في مساحة ضيقة لا يستطيع التحرك بمفرده، وكان يعيش في العزل مدة 23 ساعة يُعرض فيها لشتى أنواع التعذيب من الضرب والشبح والتعذيب النفسي، في زنزانة تعج بالحشرات والصراصير.
كيف لا نتحدث عن الأسيرين البطلين: أحمد المغربي وجمال أبو الهيجا اللذين قضيا قرابة 8 سنوات في زنازين العزل الانفرادي، وهما يعيشان في القبور ويعانيان الويلات جراء العيش في هذه الزنازين، إلا أن الإرادة والعزيمة اللتين يحملانها في قلبيهما كانتا لهما سندًا وعونًا في زنازينهما؟!، وكيف لا نتحدث عن القائد أحمد سعدات المحكوم عليه بالسجن مدة 30 عامًا، فقد قضى سنوات عديدة في العزل الانفرادي، وكان المناضل أبو غسان رجلًا صلبًا عاش لأجل وطنه وشعبه وقضيته المقدسة، وكان يبعث الأمل في نفوس الأسرى، ويقف بجانبهم ويساعدهم في تحدي الصعاب والمحن التي يواجهونها؟!
كيف لا نتحدث في هذه السطور القليلة عن الجبل الشامخ الأسير البطل إبراهيم حامد الذي حكم عليه بالسجن 54 مؤبدًا، وله ملف اعتقالي مكون من 11 ألف صفحة، فقد قضى 6 سنوات في زنازين العزل الانفرادي، وهو مجاهد مخلص معطاء عُرف بحبه لفلسطين وعمله الدؤوب وعطائه الكبير؟!
أما المجاهد القسامي حسن سلامة صاحب عمليات الثأر للمهندس يحيى عياش فقد قضى في سجون العزل الانفرادي 12 عامًا لا يرى فيها الشمس ولا الهواء، ويعيش في قبر لا يسمع فيه سوى أقدام الجلادين والسلاسل عند فتح الزنزانة؛ فهو الجبل الشامخ، وهذا الرجل وحده يمثل أسطورة العزل الانفرادي في تاريخ فلسطين، ويعده العدو الصهيوني من أخطر الأسرى الموجودين لديه، حتى إن المفاوضات الأخيرة مع العدو الصهيوني بشأن صفقة شاليط كانت تتوقف عند الحديث عنه، وحتى الساعات الأخيرة في المفاوضات كان اسمه على رأس القائمة، ولكن سيخرج بإذن الله قريبًا في القائمة التبادلية القادمة، وما ذلك على الله بعزيز.
إنهم أسرانا البواسل الذين سطروا بصمودهم وجبروتهم أسمى آيات الفخر والاعتزاز، وكتبوا بآلامهم راويات تاريخية للمعاناة وآلام تجارب الحركة الفلسطينية الأسيرة في سجون الاحتلال (الإسرائيلي).
حقًّا لفلسطين أن تفخر بكم رجالًا صامدين شامخين شموخ جبال نابلس والخليل، ولن تهزم السجون عزيمتكم، ولن تضعف من همتكم أو تحرفكم عن طريقكم التي سلكتموها لأجل تحرير فلسطين من دنس العدو الغاشم.