1- المركب التائه.
كنّا نسأل: مصر إلى أين؟ فصرنا نردد: مصر إلى خير. وشتان ما بين الموقفين والعبارتين. كانت مصر سفينة بلا ربان، أو ربان أخرق أحمق، أو ربان متواطئ مع القراصنة في مقابل ثمن بخس نظير أن يمكّن القراصنة من الاستيلاء على السفينة ونهب ما فيها من حمولة. كانت سفينة مصر تائهة وكانت مصر سفينة تائهة يضربها الموج بكل عنف تكاد تنحطم مع كل ضربة، ولا مرفأ ولا مرسى ترسو فيه.
ثم استلم الدفة ابن البلد، لا المفروض على المركب من القراصنة أعداء المركب وأعداء البلد، فاستبشر من على متن السفينة بالربان الجديد، عدا حفنة من عملاء الربان القديم وعملاء القراصنة.
مرسي لم يقد سفينة من قبل، لكنه يتصرف كأنه قائد وربان قد مارس مهنة قيادة المراكب عشر سنين، على أنّه بمشورة المخلصين من الجدعان وأبناء البلد سيعبر بسفينة مصر بحر الظلمات، والموج العاتي، إلى أن ترسو في مرفأ الأمان وبر السلامة.
موارد مصر عظيمة، وحكاية فقر مصر حكاية مكذوبة، وقصة مختلقة، وفرية مفتراة، ورواية مدّعاة، ولئن مكّن حفنة العملاء الربان الجديد من العبور بالسفينة ليكونن لمصر شأن عظيم وقدر كبير ووزن هائل وثقل وريادة وقيادة ولتكونن لمصر الحسنى وزيادة.
كان عشرة آلاف صندوق جباية تجمع من مصر عشرة أضعاف موازنة مصر، ولا تدخل مصر، ولئن مكّنت إدارة نظيفة بأيد طاهرة عفيفة أمينة شريفة من إدارة هذه الموارد، لتسددن الديون، ولتعبرن مصر كل أزماتها، فلقد جاء على مصر زمان كانت هي تقرض الإمبراطورية البريطانية العظمى، فصارت مصر يقال لزعيمها من قبل مجهول: ليأتين زعيم مصر حبواً يطلب المساعدة!
ولست ممّن يمدحون الأشخاص، ولا ممّن يعظمون الرؤساء، وحتى لا يتفرعن الرئيس بكثرة المديح، وما تفرعن متفرعن إلاّ من فساد البطانة، ومديح المداحين، ومغالاة المغالين، أرأيت إلى الذي قال للحاكم:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فإنك أنت الواحد القهار
والذي قال في مديح مبارك مساوياً إياه بالله مشبهاً له به:
فأنت مثل إلهنا غير أنّه ليس له ولد. أو بمعنى ما قال.
ونترك هذا الغلو، وهذا الفجور، وهذه المبالغة الكاذبة الآثمة، ونذهب إلى رحاب اللغة، فمنذ زمن وبنا حنين إلى رحاب اللغة نأرز إليها كلما اشتدت الهاجرة، فنجد الظل الوارف في هذا الجو الصائف.
2- وقفة مع اللغة.
أ- وقفة أولى: مصر في القرآن وفي اللغة.
ما ذكر القرآن بلداً ما ذكر مصر، ومعاذ الله أن يكون هذا بلا حكمة، بل هو لحكمة: إنّ مصر ستكون رأس العرب، ورأس المسلمين. ولقد جاء وقت على مصر في أواخر عهد الدولة العثمانية أنها كانت ترى نفسها نديداً للدولة العلية، بقطع النظر عن محمد علي وسياساته. ولقد كان عمرو بن العاص عبقرياً وإستراتيجياً بعيد النظر حين طلب من الفاروق أن يأذن له بفتح مصر، وقد تم له ذلك. وكذا كان صلاح الدين حين وضع نصب عينه ألاّ أمل في تحرير المسرى والأقصى ما لم تتحرر مصر من الحكام الفاسدين، وقد كان وتحرر المسرى بعد أن سقط حكام مصر العملاء. والآن التاريخ يعيد نفسه.
وأمّا اللغة فهذه وقفة عجلى: مصّر القوم المكان: جعلوه مصراً. ومصر الأمصار: بناها (من هنا الشعار الأشهر: عمار يا مصر!) ومصّرت الدولة الشركة: أخضعتها لإدارة مصرية خالية من النفوذ الأجنبي، وفي عهد مبارك كان يقال: "أسرل" مبارك "وأمرك" مبارك مصر أيّ أخضعها لإدارة إسرائيلية أمريكية تعبث بها وتفسدها كما شاء لها هواها. وتمصر المكان صار مصر. وتمصر الشخص صار مصري الجنسية. وكل عربي مصري الهوى والتكوين الثقافي.
وتمصرت مصر: عادت مصرية كما كانت منذ خلق الله الأمصار ومنذ كانت مصر كنانة الله. ومصر: الحاجز بين الشيئين. وهذا دقيق جداً، ألا ترى مصر حلقة فصل ووصل بين إفريقيا وآسيا. من هنا تكلّم هيكل كثيراً عن موقع مصر الجيوسياسي، وكذا جمال حمدان في رائعته عن مصر، وقد مات جمال حمدان ميتة إبراهيم الفقي (!)
ب- وقفة ثانية مع اللغة: مرسي.
قال في المعجم الوسيط: رسا الشيء رسْواً، ورسُوّاً: ثبت. ورسا الجبل: ثبت أصله في الأرض. ورست قدمه: ثبتت في الحرب. ورست السفينة: وقفت عن السير. ورسا بين القوم رسواً: أصلح. وَرَسَا له رسْواً من الحديث: ذكر له طرفاً منه. ورسا عنه الحديث: رفعه وحدث به. ورسا الحديث في نفسه: حدّث به نفسه. وأرسى الشيءُ: رسا. يقال: أرست السفينة. وأرسى الشيء: أثبته. يقال: أرسيتُ السفينة. وأرسيتُ الوتد في الأرض: ضربه فيها. والراسي: الثابت الراسخ، والجمع الرواسي. والراسية مؤنث الراسي. وقدْر راسية: لا تبرح مكانها. ولا يطاق تحويلها لعظمها. وفي التنزيل العزيز: "وقدور راسيات".
والرسي: العمود الثابت وسط الخباء. والمرسى (بفتح أو ضم) محط السفينة بالساحل. ومرسى المزاد (في القانون): إيقاع بيع المزايدة على من عرض أعلى ثمن. والمرساة: ثقل يلقى في الماء فيمسك السفينة أن تجري. وألقى القوم مراسيهم: أقاموا. وألقى السحاب مراسيه: ثبت في مكان وأمطر" أ.هـ.
وفي القاموس المحيط في الجذر رسا سوى ما ذكر: أرسى الصوم: نواه. "بسم الله مجريها ومرساها" وقريء: مجريها ومرسيها. "يسألونك عن الساعة أيان مرساها" الأعراف 187 والنازعات 42 متى وقوعها. ومرسية بالمغرب" أ.هـ.
وفي معجم المقاييس قال ابن فارس في معنى الجذر رسى: الراء والسين والحرف المقبل أصل يدل على ثبات، تقول: رسا الشيء يرسو، إذا ثبت. والله أرسى الجبال: أثبتها. وجبل راس: ثابت. ورست أقدامهم في الحرب (ثبتت كما قال تعالى: "وثبت أقدامنا" "ويثبت به الأقدام"). ويقال: ألقت السحابة مراسيها: إذا دامت. ومن الباب: رسوت بين القوم رسواً، إذا أصلحت" أ.هـ.
وتعليقي على المعاني اللغوية: أصل معنى رسا كما قال ابن فارس: أصل يدل على ثبات. والأصل في شخصية الرئيس الثبات. من هنا قال الله لقائد الأمة: "يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين"، وقال له: "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً"، ولعلّ من صفات مرسي الأساسية ومن معالم شخصيته: الثبات، فهو قد سجن مرات، ولم تلن له قناة، وقضى من عمره في السجن سنوات، وما ضعفت ولا لانت منه ولا من إخوانه الإرادات، وعرض عليه الجواز الأمريكي أيام كان مدرساً في جامعاتها لأنه مهندس مبدع فرفض الجواز الأمريكي الذي هو حلم كل من على سطح هذه الأرض، لما لحامله من الامتيازات والحصانات والحمايات، وهذه صفة تدل على ثبات. وإن شاء الله تكون قيادته لمصر خيراً وبركة وغيثاً مغيثاً، والأمم بقياداتها، فإن صلحت القيادات صلحت الجماعات. ولعلّ مصر تعود إلى سالف عصرها وسالف مجدها وريادتها، وتكون قيادته بركات يسوقها المولى على مصر، وكان المعنى اللغوي: ألقت السحابة مراسيها: إذا دام غيثها.
ومن الوقفات مع اللغة والمعنى اللغوي: رسا بين الناس: أصلح، وفي خطاب مرسي بالميدان، ميدان الثورة والشهداء ميدان التحرير يوم الجمعة العظيم المشهود، ردد مع الشعب: "ايد واحدة" لا للفساد، بالحب نبني مصر، وشدد على الإصلاح، وأنّ الحق يصل لصاحبه، وأنّ الظلم ظلمات يوم القيامة.
ومن المعاني اللغوية كذلك: مرسى المزاد: البيع بأعلى ثمن، وكذا كان حال مرسي، دفع للنجاح أعلى ثمن من التضحيات، بينما مقابله دفّع الشعب أغلى ثمن، وحصد مرسي أعلى الأصوات فاستحق عن جدارة أن يرسو مزاد الرئاسة عنده.
3- صدى نجاح مصر ومرسي في العرب والعالم.
كان الدوي الذي أحدثه فوز مرسي هائلاً، وكان الصدى عميقاً، والتأثير بالغاً، فالعالم العربي بالذات كالأواني المستطرقة، كل عضو يتأثر به باقي الأعضاء. أرأيت إلى عدم تحقيق نتيجة في سوريا حتى الآن، كيف انتكست بعض البلدان، وارتدّت على أعقابها، وأوشكت انتخابات مصر أن تزوّر، وعادت الأفاعي تطلّ برؤوسها من جحورها وتفحّ فحيحها في هذا الصيف.
وأمّا نجاح الانتخابات في مصر، وعدم النجاح في تزويرها، فقد أعاد الروح إلى الناس وانتعشت الآمال وبالذات آمال الثورة في سوريا، وكان النظام الذي رحب بالثورة على مبارك أول المنتقدين، وكانت الانشقاقات الأكبر في تاريخ الثورة عن النظام.
وأمّا الكابوس الأشد لهذا النجاح فكان في "إسرائيل"، الدولة التي كانت تنهب مصر وتدمّر مقوماتها وتسرح فيها وتمرح وتعبث بأمنها كما تشاء، فقد قال أحد كتابهم: "هذا اليوم أسود من السواد نفسه" ونتنياهو لم ينم الليل كما قالت الصحف العبرية. وليس معنى كلامي أنّهم سيستسلمون. لا، وإنّما سيتآمرون مع الخونة والعملاء وبطانة النظام السابق وأزلامه والحزب الوطني الفاسد.
وأمّا الصدى في أمريكا فهو سيء كذلك، فقد كانت مصر حديقة خلفية للسياسة الأمريكية والأمن الأمريكي، وإذ بها تخطو خطوات واسعة نحو الاستقلال.
وبعد، فإنّ المنطقة تمرّ بانعطافة تاريخية، ونحن في مفترق طرق، وقد سلكنا الطريق المؤدي إلى النهوض والارتقاء والتغيير، وهذا أوان وموعد مسرى النبي مع التحرير، والتغيير والتحرير يسيران في سبيل واحد. والطريق الذي سارت فيه الجماهير لا محيد عنه ولا بديل. سيتآمر العالم لكن الذي يدبر الأمر، يدبر الأمر بما فيه مصلحة هذه المنطقة. من هذه الزاوية ومن هذا المنظور نحن مستبشرون، ورغم كل العقبات والمكر والتخطيط نحن متفائلون، فهذه ريح الأقدار هبّت على المنطقة، وإذا هبّت ريح الإيمان سارت سفائن الحق نحو شطآن الأمان، "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" "ولتعلمن نبأه بعد حين".