1- ثورة الشك.. والشك في الثورة
في جو ملبد بالشك، وموج متلاطم في بحر لجي يغشاه موج من الظلمات من فوقه موج من الإشاعات في جو من المؤامرات، مشحون بالتوترات، رست سفينة الانتخابات وأعلنت النتائج التي خالفت التوقعات، لكنها أثلجت صدور المؤمنين والمؤمنات، وخيبت آمال المنافقين والمنافقات، وأغاظت أمريكا و"إسرائيل" وبعض الدويلات،
أجلت نتائج الانتخابات لا مجرد ساعات، بل أياماً معدودات، وظننا بالمجلس العسكري، لا أقول ظن السوء، فلا يليق بهم إلا مثل هذا الظن، وإنما ظننا بهم ما هم أهله من الشك والارتياب، والتآمر لصالح العدو، وحتى لا نقع فيما قال عنه الشاعر: ولكني شقيت بحسن ظني
وضخت في مصر مئات الملايين من الدولارات لدعم حملة أحمد شفيق، من دول بترولية ومن أمريكا و"إسرائيل". وموقف هاتين الدولتين العدوتين للإسلام والعرب ونهضتهم مفهوم تماماً، لكن غير المفهوم ولا المهضوم موقف دول عربية بعضها يدعي حمل الإسلام، ضد مرشح الإسلام والأمة، لصالح عدو الإسلام وصديق "إسرائيل" الفريق شفيق.
وقد ألقى كل معسكر الأعداء ثقلهم كله في كفة شفيق، وضغطوا على الجنرالات الثلاثين الكبار كما قالت الصحف العبرية لينجح شفيق، وحاولوا مستميتين لكن حال دون ذلك ملايين ميدان التحرير، وخشيتهم أن يفقدوا السيطرة على الشارع وهم الذين بذلوا الغالي والنفيس للسيطرة عليه وإدامة هذه السيطرة. فسمحوا بفوز مرسي، لكن بعد تقليص صلاحيات الرئيس وتحويل ما قلصوا من صلاحياته إلى المجلس العسكري التابع لأمريكا و"إسرائيل"، المواصل نهب البلد على خطى مبارك. وبعد أن حلوا سنده وظهيره مجلس الشعب في لعبة محكمة محبوكة مقدرة تقديراً.
لكن المؤامرة كانت ستكتمل خيوطها بإعلان فوز شفيق، ومعنى هذا مزيد من هيمنة "إسرائيل" على مصر والمنطقة.
فعلاً، عاشت النفوس في ثورة الشك، وبدأ يساورها الشك في الثورة، جدواها، وفيم قامت؟ وهل فقدناها؟ وهل تنجح بعد لنا ثورة؟ وهل يمكن أن يتحرك الشارع المصري إن دعاه داع إلى الحركة بعد الآن؟ هل أحبط الناس إحباطاً تاماً لا شفاء منه ولا قيامة؟ ثارت في النفوس وساوس وهلوسات كثيرة من مثل هذه الأسئلة وقد بددها جميعاً بفضل الله فوز مرسي، ورست سفينة الإيمان، لا أقول سفينة الانتخابات، بعد أن ضربها موج عات، ومكر تزول منه الجبال الراسيات، وارتفعت المعنويات من جديد، وجرت الدماء في العروق من جديد، ودبت الحياة في الأوصال من جديد، والحمد لله الذي جلى لنا قوله في قرآنه المجيد حتى رأيناه واقعاً عتيداً: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير).
2- لم يكن متشوفاً
أجمل ما في مرسي أنه لم يكن متطلعاً للكرسي، ولم يكن يدور في خلده ولا خلد إخوانه أن يكون هو مرشح الرئاسة؛ لأنهم أجمعوا أمرهم على خيرت الشاطر وهو –فيما أرى- أنضج عقل وأوعاه في السياسة في الجماعة في مصر، لكن الله ألهمهم وقد لدغوا من غدرات العسكر، فرشحوا مرسي بديلاً فيما لو تم التآمر على خيرت، وهذا الذي كان، فحرموه من الترشح لأنه محكوم عليه، ولم يفرق القانون الإنساني الأعمى الغبي بين محكوم عليه بحق، وبين محكوم عليه ببغي وظلم وعدوان، وهذا الظلم وقوانينه هو الذي ثور الناس في الشارع المصري على النظام المصري، فكيف تحاكمون الثوار الذين انتصروا على المخلوع، على أو وفق قانون المخلوع، والخلع ليس لشخص المخلوع وإنما للنظام والقانون واللوائح وكل الفساد والعفن الموجود. المهم أن الاحتياط واجب، والاحتياط كان في محله، وتوقع الغدر كان كذلك عند سوء الظن بهم، ولم يخيبوا بهم الظنونا!
بيت القصيد في الكلام أن مرسي لم يكن متطلعاً متحفزاً متوثباً متشوفاً متشوقاً مشرئباً مكولساً! لم يكن بصره ولا نظره معلقاً مثبتاً على الكرسي والزهد في هذه المواقع من أجمل الصفات التي يحبها الله في عباده. وهل كان يوسف في السجن متطلعاً إلى منصب؟ أقصى ما كان يرجوه أن يخرج من بين الجدران المغلقة إلى الفضاء الطلق الرحب فكافأه الله وأكرمه بأكثر من حلمه، وقد قلت في كتابي عن سورة يوسف قبل أكثر من ربع قرن: إنه لما قال: "اجعلني على خزائن الأرض) لم يطلب الكرسي، ولكن قلت بيت أبي العتاهية:
أتته الخلافة منقادة ** إليه تجرر أذيالها
ومرسي أتته الرياسة منقادة ولم يكن متشوفاً لها، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أتته عن غير تشوف نفس أعين عليها، ومن أتته بعد تشوف نفس وكل إلى نفسه ووكل إليها.
وأظن مرسي من النوع الصافي السليم القلب، إن شاء الله، من مثل هذه التعلقات والتطلعات، أعلم أنه بشر، فيه مشاعر البشر، لكن من البشر من سلم زمامه إلى الله، وترك الأقدار هي تختار له ما تشاء. وأرجو ألا أفهم خطأ؛ بمعنى أن يظن ظان ألا نخطط، وأن لا نفكر، فما عنيت هذا، ولكني استحضرت قول إبراهيم: (إني مهاجر إلي ربي) ولم يحدد الوجهة، فاختار الله له الوجهة إلى فلسطين، أحب الأرض إليه بعد الحرمين.
وأسأل الله أن يكون مرسي خيرة الأقدار، وأن يكون جاء على موعد لا مع أقداره هو، ولكن مع أقدار الأمة في العزة والتغيير والتحرير، وإني أرى هذه الأيام توطئة لأيام النصر والتحرير، تحرير المسرى بإذن القدير، ولن يتحرر المسرى إلا على يد من هو جدير بمهمة التحرير، ومبارك وفلوله وذيوله وعجوله ليسوا من هذا في قليل ولا كثير!
3- خطاب مرسي أراح كل نفس
أجمل وأكمل ما في الدنيا الكلمة، وأبقى ما في الدنيا الكلمة، وأقوى سلاح في هذه الحياة الدنيا الكلمة. ولو علم الله ما هو أقوى وأفعل في النفوس وأكثر تأثيراً من الكلمة لاختاره وسيلة لحمل رسالته إلى الناس، ومن هنا قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً) وما هدأ أهل العراق إلا بعد كلمات الحجاج المرعدة.
وموضع الشاهد أن كلمتك الأولى هي التي ستقدمك إلى العالم وفق القولة المهمة: "الانطباع الأول هو الانطباع الأخير"؛ ومن هنا فإن كلمة مرسي هي التي ستقدمه إلى العالم، فالناس صناديق مغلقة فإذا تكلموا عرفنا ما بداخل هذا الصندوق المغلق، أو الصندوق الأسود المليء بالأسرار! وتكلم مرسي فكانت كلماته برداً وسلاماً، لست أمدح، ولا لي عند مرسي ولا له عندي! ولكن كلمة الحق تقال.
وقد حاول أن يستدعي إلى الأذهان كل الإحالات الإسلامية والاستدعاءات الإيمانية، والاستحضارات التاريخية، ومن أبرزها كلمة الصديق حين توليته: "وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأطيعوني، وإن اعوججت فقوموني".
وقوله: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، وإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".
وقوله: "لن أعصي الله فيكم ولن أخونه في مصر".
وقوله: "موارد مصر كثيرة وسنحسن إدارتها". (وقد سمعت من الشاطر أن سداد ديون مصر ممكنة في أقصر زمن). وقوله: "ليس لي حقوق، وإنما علي واجبات.. الخ".
وكلامه عن الوحدة الوطنية وعن الأقباط وعن المرأة كله مطمئن، وكلمته عن التزام العقود والمواثيق والمعاهدات خطأ، خاصة من بعض من يتمسكون بالظواهر والحرفيات. والحقيقة أنّا أمة الوفاء بالعقود، إنما الذي لم يلتزم بكلمة دائماً هو العدو الذي يعتبر كل الاتفاقيات ملزمة لطرف واحد، وأما هو ففوق الالتزام؛ من هنا فإن الكلمة التالية هي عن احترام متبادل للاتفاقات، وهذا ما لن يقبله العدو.
والمطلوب الآن أن يكون الناس عوناً لهذا الرئيس، وألا يسيئوا تفسير الكلام، ويأخذوا مقاصد الحديث وروح الكلمات لا حرفية هذه الكلمات، فكلمات الرجل تنم على رجل دولة، وأهم ما فيه قيمه ودينه وخلقه، مع أن اليساريين مجمعون على رفض الدولة الدينية بكل قوة، وهم الذين كانوا عون مبارك في الدولة التابعة للدولة العبرية.
وصدق هويدي: لقد رضيتم بحكم "دولة لا هي دينية ولا مدنية.."، فلم لا ترضون بهذه التجربة للدولة التي تسمونها أنتم حسب توصيفاتكم دولة دينية!؟
وللحديث عن فوز مرسي لا بد من حلقة أخرى إن شاء الله، فإلى لقاء.