هل شخصية فرعون بيولوجية أم سيكولوجية؟ بكلمة أوضح هل هو شخص تاريخي ونموذج لن يتكرر، مثل الفرعون بيبي الثاني الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد؟ أم أنه مزايا وصفات ومواقف في أي إنسان؛ فيتجدّد النموذج بدون اسم فرعون، يأخذ أسماء شتى. بكلمة مزعجة أكثر هل يمكن أن يكون أي واحد منا فرعوناً يوماً ما في موقف ما؟ والجواب نعم. وإلا كانت رواية القرآن عبثاً في الجهد، وتكلفاً في القول، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً؛ فكتاب الله نزل موعظة وهدى لما في الصدور، وقصصه ليست للتسلية في الأندية والاحتفالات، بل قوانين نفسية اجتماعية قابلة للتكرار، تحت نفس مفعول القانون إذا تحققت شروطه الأولية. وبالتالي فهو حينما يتحدّث عن فرعون وموسى يقول إن هذا النموذج قابل للتكرار فاعتبروا يا أولي الألباب. ومن هذه الآية بالذات من سورة الحشر خرج الأصوليون من الفقهاء بالمصدر الثالث من التشريع بعد القرآن والسُّنَّة بمبدأ القياس. أي مقارنة الأمور بأشباهها ونظائرها لأخذ القاعدة التي تمسك متشابه المواقف والسلوكيات.
ويمكن أن يفهم من هذا أيضاً المبدأ الأرسطي القديم حين وضع للفكر قانون الثلاث حركات: كل إنسان فان ـ سقراط إنسان ـ سقراط فان. وهو مبدأ متدرج من الأعلى للأسفل، يضع فيها الإنسان القاعدة فيعممها، وهو مبدأ (الاستنباط) أو كما سميناه أيضا مبدأ القياس. أي قياس كل واقعة على غيرها. وهذا القانون اعتمده أيضا ابن خلدون في فهم واقعات التاريخ فقال انتبهوا من النقل؛ بل يجب وضع الحوادث وفق قاعدة التاريخ وجدله، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والذاهب بالحاضر؛ فلا يأمن فيها الإنسان من التعثُّر ومزلّة القدم والحيد عن جادة الصدق، وهو ما حدث لكثير من أئمة التفسير والنقل من الأغاليط. ويضرب ابن خلدون على ذلك ستة أمثلة يمكن مراجعتها في المقدمة فهي من أجمل ما فاض به قلم ابن خلدون رحمه الله. ومن هذه القاعدة يمكن القول إن في صدر كل واحد منا فرعون جاهزاً للانقضاض، لذا أعجب كثيراً ممن يحقد على زعيم وقائد لأن الأمور لو آلت إليه لأفسد في الأرض وقطع الأرحام.
تأملوا الآية من سورة (محمد): «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم».
هل يمكن لأفخم سيارة لم يوضع فيها فرامل ثم يقال لها امض بدون أن تنتهي بالكارثة. وهل نفهم لماذا يصاب الفأر بالتشاؤم إذا رأى قطة سوداء؟
بلاغ فهل يهلك إلا القوم الظالمون.