ماذا يعني لك إضراب خمسة من أبناء الحركة الإسلامية عن الطعام في سجون السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية؟ الخمسة المضربون هم من المعتقلين القدامى الذين حصلوا على قرار إفراج عنهم من المحكمة العليا. الأجهزة الأمنية رفضت تنفيذ الإفراج، وضربت بقرار القضاء عرض الحائط. اضطر المعتقلون للتعبير عن موقفهم وعدالة قضيتهم من خلال الإضراب المفتوح. الخمسة هم: معتصم النتشة، وعثمان القواسمي، ومحمد أبو حديد، ومحمد الأطرش، وإسلام حامد.
إذا كنا في فلسطين نسعى لإقامة سلطة محترمة، تقوم على القانون، وعلى سلطة القضاء المستقل، فإن علينا الإجابة عن سؤال: من يحكم؟ هل القانون هو صاحب الحكم، أم الحكم للأمن؟! إن أول العيب، وأول العار، هو اعتقال الأبرياء على خلفية سياسية، ومن العيب يتولد عيب آخر، لأن العيب ولود، ومن أولاده رفض قرار القضاء واستبقاء المظلومين رهن الاعتقال.
لا يوجد مبرر قانوني، ولا مبرر وطني، ولا مبرر أخلاقي لاستبقاء معتقلين أمرت المحاكم بالإفراج عنهم. إن هذا الاستبقاء هو الاستبداد بعينه، وهو الطغيان بشحمه ودمه، وأحسب أن حريات الإنسان ليست كرة تتقاذفها الأقدام. فالحريات مقدسة وهي الأساس الذي تقوم عليه الدنيا، ويقوم على أساسه التكليف.
نعود إلى سؤالنا الأول، ماذا يعني استبقاء خمسة من أبناء حماس في السجن، وخوضهم الإضراب عن الطعام بغرض تنفيذ قرار المحكمة العليا؟ وأول إجابة عنه تقول: لا تصدقوا أحاديث المصالحة، لأن من أهم ملفات المصالحة ملف يسمى ملف الحريات وهذا الملف يمتلئ بالتنظير الأكاديمي والأخلاقي، ولكن لا أثر ملموس لهذا الملف على الأرض، والدليل هذا الإضراب المفتوح عن الطعام الذي يخوضه هؤلاء المظلومون، والذي لا يحظى حتى الآن بتغطية إعلامية مناسبة، ولو عن باب الأخلاق، والحفاظ على المبادئ العامة والأساسية لحقوق الإنسان؟!
حديث الإضراب عن الطعام في السجون، ليس حديثًا عاديًا يمكن مواجهته بكلام معسول، أو فبركات إعلامية. الإضراب عن الطعام هزم دولة الاحتلال، وأجبرها على إعادة النظر في تعسفاتها ضد المعتقلين، واستعاد المعتقلون حقوقهم الحياتية اليومية، بما فيها زيارات الأهل، والحق في التعليم، ومعالجة مشاكل الاعتقال الإداري.
لقد استفزت (إسرائيل) الأسير، فأضرب عن الطعام، واستفز إضرابه الفصائل والشعب الفلسطيني كله، وانتصر الأسير وانتصر الشعب وانتصرت الحريات، وإنه لمن المؤسف حقًا أن يضرب معتقل فلسطيني في سجن فلسطيني، ومعه قرار إفراج من المحكمة، ولا تتحرك الفصائل بلوم الأجهزة الأمنية القمعية، ولا يتحرك الشعب للتعبير عن رأيه بسيادة القانون؟! أعتقد أنه ثمة مسئولية أخلاقية على الفصائل، وعلى مؤسسات الحقوق المدنية، وعلى الشعب، وعلى حماس وعلى فتح، ولا يبقى منها إلا الكلام الإعلامي فحسب.