أُحذر من رفع سقف التوقعات في مخاطبة الدكتور محمد مرسي، حتى أكاد ألمح في بعض الكتابات والمطالبات إلى ما يعطى انطباعا أننا خرجنا من مرحلة مصر مبارك، وأننا دخلنا في مرحلة مصر مرسي، ناسين أن الدنيا تغيرت بسقوط الرئيس الإله الذي كانت تدعمه وتسانده “الدولة العميقة”، ويؤيده الإسرائيليون والأمريكيون ومن أطلقوا على أنفسهم المعتدلين العرب.
ذلك أن الرئيس الجديد لم يفقد قدسيته فحسب، وإنما جاء مكبلا ومحدود الصلاحيات، وأن له رئيسا آخر يقبع في الظل يتمثل في المجلس العسكري. ثم إن الرجل يقف في جانب، في حين أن “الدولة العميقة” بأسرها تقف في جانب آخر، أقصد بتلك الدولة كل الأجهزة والمؤسسات التي أعاد تشكيلها النظام السابق على مدى ثلاثين عاما، وهي الأجهزة الأمنية التي اخترقت القضاء وطوعته، فضلا عن المؤسسة البيروقراطية. وتضاف إلى الجميع شبكة المصالح الاقتصادية التي انتفعت وانتفخت خلال تلك المرحلة. ولست أشك في أن القوى الخارجية والإقليمية التي ارتبط بها ودللها الرئيس السابق تقف بدورها في معسكر الضد للرئيس الجديد.
خارج إطار «الدولة العميقة»، أو قل في الجزء الظاهر منها، هناك المنابر الإعلامية المتربصة والمعادية، والجاهزة دائما للاصطياد ولممارسة مختلف أساليب الترويع والاغتيال المعنوي التي لن ترحم الرئيس الجديد إذا صدرت عنه أي هفوة، وحتى إذا لم تصدر!
الخلاصة أن الرجل تم تكبيله بالإعلان الدستوري الذي صدر إبان انقلاب 17/6، وبعد فوزه فتحت له أبواب القصر الجمهوري، ولكن الطريق إليه تم تلغيمه؛ الأمر الذي يعني أن الرجل مقدم على عملية استشهادية، النجاة منها مشكوك فيها، وربما كانت حظوظه في الآخرة مضمونة في هذه الحالة، إلا أن حظوظه في الدنيا محل نظر.
من المفارقات أن ذلك الرئيس المكبل هو المسؤول الوحيد المنتخب شعبيا في مصر الآن؛ الأمر الذي وفر له شرعية حقيقية لا تتمتع بها أي مؤسسة أخرى في البلد، بما في ذلك المجلس العسكري ذاته، وقد كان انتخاب مجلسي الشعب والشورى من بشارات تأسيس النظام الديمقراطى الجديد، ولكن مجلس الشعب جرى التخلص منه بحيلة قانونية معروفة، أما مجلس الشورى فهو في مهب الريح الآن.
الخلاصة أن الذي يدير البلد فعليا الآن هو المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي الذى هو عمليا رئيس الرئيس، وفي هذه الحالة فإن سيل الكتابات والمطالبات التي توجه الآن إلى الدكتور محمد مرسى تحمله بما لا يستطيع الوفاء به. بل أزعم أن برنامجه الذى خاض به المعركة الانتخابية سيظل من قبيل الأمنيات التي عبر عنها الرجل، ما دام أنه ظل في وضعه الراهن.
إذا صح ذلك التحليل، فهو يعنى أن الدكتور محمد مرسى لديه مشكلات في غاية التعقيد يصعب حلها في الأجل المنظور؛ فلديه مشكلة صلاحيات مع المجلس العسكري، الذي لن يكون بعيدا عن اختيار رئيس الوزراء أو تشكيل الحكومة القادمة. ولديه مشكلة أخرى مع الفراغ الذي ترتب على التعسف في حل مجلس الشعب، الذي أدى إلى انتقال السلطة التشريعية إلى المجلس العسكري؛ وهو ما يسوغ لنا أن نتساءل عما تبقى لـ«الرئيس» محمد مرسي من هامش للحركة، بعدما أصبح المجلس العسكري سلطة التشريع، وهو أيضا بحكم الأمر الواقع المسؤول عن التنفيذ، وله مشكله ثالثة مع ملف جمعية وضع الدستور التي بدأت عملها بالفعل، في حين تبذل جهود أخرى لحلها وإعادة تشكيلها بواسطة المجلس العسكري دون أن يكون للرئيس المنتخب رأى فيها. وطبقا للإعلان الدستوري، فإن كتابة الدستور ذاتها لن تتم بسهولة؛ لأنه بوسع عدة جهات -منها المجلس العسكرى- أن تعترض على ما لا يعجبها من مواد مقترحة للدستور، الأمر الذي من شأنه إطالة أمد فترة كتابة الدستور، ومن ثم إطالة استمرار وجود ونفوذ المجلس العسكري.
لدى الرجل مشكلة رابعة مع الذين صوتوا له؛ لأنه لن يستطيع أن يفى بما وعد به. أهم من ذلك أن لديه مشكلة خامسة مع «الدولة العميقة» التي لن تسمح له بالنجاح، هذا إذا لم تسع إلى إفشال مهمته. أما مشكلته مع إعلام «الدولة العميقة»، إضافة إلى أبواق المتربصين والمتصيدين فلا حل لها فيما يبدو. تبقى بعد ذلك مشكلة انتمائه إلى جماعة الإخوان، التي ستظل عند البعض «لعنة» تطارده، و«وصمة» لن يستطيع التخلص منها؛ إذ سيصر هؤلاء على أن الرجل ما يزال مكبلا بـ«البيعة» التي في عنقه لمرشد الجماعة، رغم إعلانه الاستقالة منها والتزامه بالقانون والدستور دون الجماعة. وقد وجدنا أن البعض وجه إليه التهمة ذاتها؛ لمجرد أنه استخدم بعض آيات القرآن في خطبته بعد إعلان الفوز، وكأن القرآن صار كتاب الجماعة. وتلك تهمة لن يبرأ منها ربما إلا إذا استشهد في خطبته بمقاطع من أغاني تامر حسني ونانسي عجرم!
إن الرئيس الجديد يستحق منا أن نواسيه ونتعاطف معه بأكثر مما نغبطه ونهنئه.