أيام مضت والمضربون عن الطعام في سجون السلطة لا زالوا مُصِرّينَ على المضي قدماً في خوض هذا الإضراب رغم هذا الحر الشديد وطول الساعات وتنكب الحبيب والقريب والبعيد لقضية هؤلاء الكرام الذين مضى على اعتقالهم أياماً ولياليَ وشهوراً وسنين، وهناك أمورٌ غريبة نسمعها ونراها منها موقف النفاق والحزن المصطنع ودموع التماسيح على أسرى الحرية المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال يقابله العمى الكامل والخَرَسِ والصَّمم والبَكم عن مأساة الأسرى رهائن الحرية في سجون السلطة المضربون عن الطعام مما يجعلنا لا نثق كثيراً بتلك المواقف ذلك لأن أصحابها قد جبنوا وللأسف الشديد عن مجرد الإشارة ولو بكلمة عابرة أو زلة لسان عما يعانيه أسرى سجن أريحا وجنيد والخليل وبيتونيا رغم أن هؤلاء أسرى محررون وذاقوا من ويلات سجنهم عند الاحتلال ما لاقوا.
إن الازدواجية في التعامل مع أسرى دون أسرى أمرٌ يدعو إلى الحيرة ويجعلنا نتسائل عن جديّة الوقوف إلى جانب الأسرى في سجون الاحتلال.
ثم إن الموقف الثاني الذي لا يقل خطورة واستهجاناً عن موقف الطرف الأول هو موقف الشارع الفلسطيني والذي يتعامل أيضاً بموقف اللامبالاة أمام هذا الموقف الخطير والحساس وحالة الموت البطيء الذي يعانيه هؤلاء الأسرى في سجون السلطة، وكأني بالشارع الفلسطيني قد ألقى بهذا الملف في وجوه زوجات الأسرى وبناتهم.
إنه من المعيب والمخجل والمؤسف أنه في أحد الاعتصامات للتضامن مع أسرى المقاطعة في إحدى المدن في الضفة أن يكون عدد الحضور فقط 25 نصفهم من النواب والباقي من النساء والأطفال من ذوي هؤلاء الأسرى.
وإنني هنا لا أضع اللوم فقط على هذين الطرفين وإنما هناك لومٌ ثالث وعتابٌ شديد على أطراف المصالحة التي أغفلت عن عمدٍ أو غير عمد حل هذا الإشكال، ذلك أن الأجهزة الأمنية لم تُعِر أي اهتمام لا للمصالحة ولا لأطرافها وكأن المصالحة فقط بين الأطراف المجتمعة والموقعة، ولعمري أن أية مصالحة حتى لو كانت بين الدول الكبرى بعد أن تضع الحرب أوزارها تكون أولى الخطوات هي إطلاق سراح الأسرى من الجانبين فما بالك حين يكون الطرفان فلسطينيين.
يا سادة يا كرام أنا لا أريد أن أنكأ الجراح ولا أريد أن أُتهم أني قد عطلت المصالحة والتي أصبحت لقمتها في الفم كما يقولون، ولكنني أتساءل كمواطن من المسؤول عن معاناة هذه الفئة الكريمة من أبناء السعب الفلسطيني حيث أن الاتفاقات قد أهملتهم ووضعت مصيرهم بيد الحكومة القادمة ؟!.
هل المسؤول هي السلطة والتي تعتبر جزءاً كبيراً منهم مهربي سلاح أو مبيضي أموال أو جنائيين (سارقي دجاج) أم المسؤول الطرف الثاني الذي وقع الاتفاقية مع السلطة ولم يشر بوضوح إلى نهاية قريبة لمحنة هذه الفئة الكريمة من قادة الشعب الشعب الفلسطيني وأبنائه.
إني أقولها بكل الألم والحسرة والحزن بأن الأطراف كلها ومعهم الساحة الفلسطينية بفصائلها قالت لهؤلاء الكرام لاقوا مصيركم لوحدكم أكلتم أم لم تأكلوا أنتم أحرار فهذا شأنكم، وهنا أستذكر بكل المرارة عندما كنا مضربين عن الطعام في سجون السلطة عام 1996 دخل علينا المحافظ في ذلك الوقت وطلب منا أن نأكل وننهي إضرابنا وعندما رفضنا بإصرار قال (تاكلوا ولا ما أكلتوا أن شاء الله بتموتوا كلكم) وكأني بهذا الشعار وهذا الموقف لا يزال يتردد إلى اليوم ومعه كل الظروف الحزينة وكل الكلام الذي قيل ولم يُقَل (تاكلوا ولا ما أكلتوا).
لكن ليعلم الجميع أن هذه الفئة الكريمة من أسرى الحرية في سجون السلطة لهم أهل وعشيرة وأقارب ومحبون ومجتمع فيه مخلصون يتميزون غيظاً وصدورهم تغلي وقلوبهم تتقطع لم يصمتوا طويلاً عن استمرار معاناتهم إن الحديث للإعلام وعبارات الجب والاستنكار لا تكفي وحدها فعلى جميع الفرقاء والمخلصين من هذا الشعب أن يتحركوا سريعاً قبل أن تتطور قضية المعتقلون السياسيون إلى ما لا تحمد عقباه وهنا أدعوا كافة الفصائل ولجان حقوق الإنسان والمستقلون وكل مسؤول في موقعه إلى وقفة سريعة وتدخل عاجل لأن في إطالة أمد معاناة هؤلاء الرجال سينعكس سلباً على الجميع حين ذلك لا ينفع الندم كما وأدعوا الجهات الحقوقية إلى تبني هذا الموضوع ومتابعته ووضع نهاية كريمة له لأن في استمراره يعني الكثير ولا ننسى مأساة إخوانهم الذين أضربوا من قبلهم في سجون السلطة وكيف كانت النتيجة والنهاية، فإذا كانت السلطة مُصِرّة على عدم تحسين صورتها داخليا وخارجياً فهي حرة في ذلك ولكن المخلصين والغيورين يقع على عاتقهم واجب كبير في إنهاء هذا الملف دون التفاف كما حصل مع الأسير في سجن جنيد عبد الله العكر الذي وُعِدَ بالإفراج عنه ولم يتم الوفاء بذلك.
وختاماً فإنني أتوجه باسمي وباسم كل الصادقين من أبناء هذا الشعب بالتحية والإكبار والاعتزاز لهذه الفئة الكريمة من قادة الشعب الفلسطيني المضربين عن الطعام في سجون السلطة ونشد على أياديهم ونقول لهم سيروا على بركة الله واصبروا واثبتوا فإن ليل المحنة لن يطول وإن فجركم قادم لا محالَةَ عند ذلك يفرح المؤمنون بنصر الله "ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم".